فهمي محمد

فهمي محمد

تابعنى على

محنة السياسة مع المتدينين "أيديولوجياً"

الاثنين 07 مارس 2022 الساعة 09:36 ص

جزءٌ كبير من مشكلتنا في اليمن والوطن العربي عمومًا لا سيما بعد ثورات الربيع العربي التي رفعت شعار بناء الدولة المدنية الحديثة، سوف نجدها إلى حد كبير تتعلق بمحنة السياسة كفكرة ثقافية / دنيوية / بشرية / مع المتدينين فكرياً بالمفهوم الإيديولوجي (جماعة الإسلام السياسي) بمعنى آخر يجوز لنا أن نقول: إن أحداث الربيع العربي الذي بشر بالخلاص الثوري لما نعيشه اليوم من مشكلاتٍ كبرى مع فكرة الاستبداد السياسي المتأصل تاريخياً في ثقافتنا العربية، أصبح في الأساس كاشفاً لعمق المشكلة الثقافية والبنيوية التي تعاني منها السياسة كفكرة مدنية مع المتدينين فكرياً بنفس المقدار الذي عانته السياسة منذُ قبل مع الأنظمة المستبدة أيديولوجيا (اشتراكية وقومية... إلخ) التى لم تتدثر بالفكرة الدينية ولم تلوح بها في وجه الجماعة المحكومة، لكنها في المقابل مارست على الآخر أشكالا من الاستبداد السياسي والفكري واحتكرت المجال السياسي العام تحت مبررات أخرى.

محنة السياسة مع المتدينين أيديولوجياً تبدو مشكلة معقدة وخطيرة في نفس الوقت على مستقبل الجماعة المحكومة قياساً على محنتها مع المستبدين زمنياً؛ لكون السياسة بجوهرها ومفاهيمها الخالية من الأدلجة والأحادية المطلقة، تعيش مع هؤلاء المتدينين صراعا غير متكافئ مع أيديولوجيا صما تدّعي المطلق والحقيقة في وجه الآخر وحتى في وجه المفهوم السياسي نفسه باسم السماء، وأكثر من ذلك نجد هذه الأيديولوجيا الدينية تستطيع أن تضيف إلى نفسها قداسة إلهية تتعلق بما هو روحي وقيمي وحتى عاطفي في مخيال الجماعة المحكومة، لا سيما وأن المجتمع "غالباً" ما يكون خاضعا بالفطرة لتأثير الجملة أو الفكرة الدينية التي يتم تداولها وتوارثها عاطفياً بعد أن تم تحويلها إلى إيديولوجيا مذهبية على يد بشر مفسرين ومجتهدين بمقياس زمانهم الماضوي وفكرهم المغلق وليس بمقياس زماننا الحاضر، ناهيك عن تحويل هذه الأيديولوجية المذهبية إلى عقيدة سياسية قادرة على حشد الناس في معادلة صراعها السياسي كما حدث أيام الدولة العباسية - بموجب الإعلان القادري- حيث تحولت بعد ذلك إلى مشروع سياسي تنظيمي على يد جماعة الإسلام السياسي التي تصدرت مؤخراً المشهد الثوري في زمن الربيع العربي، لهذا نستطيع القول إن الفعل الجماهيري في زمن الربيع العربي لم ينتصر للسياسة كفكرة ثقافية وفعل سياسي مدني جديرة بتقديم الحلول للمشكلة العربية، بل انتصر للايديولوجية أو للآخر المعارض سياسياً وهو ما سهل على جر الثورات إلى العنف والعنف المضاد حتى من داخلها لأن الانتصار للسياسة كفكرة مدنية لم يكن محل إجماع القوى المحتشدة في مسار فعلها الثوري خصوصاً عند هؤلاء المتدينين أيديولوجياً أو جماعة الإسلام السياسي.

في كل الأحوال لا يمكن أن يشكل الدين في جوهر تنزيله الحكيم حالة ممانعة في مسار التقدم السياسي إلا أن الجملة الدينية عندما يتم تداولها لا بكونها مادة ونصوصا تحمل معاني واسعة في التنزيل الحكيم تستوعب أحداث الزمان والمكان وتنسجم مع تطورات العصر الحديث؛ بل بكونها أحكاما جامدة تعارض مسار التطور الإنساني، فذلك يعني أننا نشكل موروثا دينيا اوصوليا يتحول بعد ذلك إلى حالة ممانعة خصوصاً بعد أن يشكل هذا الموروث نظاما ثقافيا ومعرفيا في المجتمع، وعطفاً على هذا نستطيع أن ندرك مشكلة أو صعوبة الانتصار في الواقع العربي والإسلامي على وجه الخصوص للسياسة كفكرة ثقافية وفعل سياسي ديمقراطي مدني، لا سيما وأن موروثنا الديني غالباً ما يفرز قوى تقليدية أصولية تعاني من القصور المعرفي والعلمي وتعيش حالة من عدم الإدراك الفكري للخيط الدقيق والفاصل بين ما هو سياسي دنيوي مصدره الاجتماع البشري والمصلحة العامة للجماعة البشرية والإنسانية بغض النظر عن وجود الدين من عدمه، وبين ما هو ديني معتقداتي مصدره أوامر الخالق ويقتضي من المجتمع الإسلامي التسليم له بالضرورة.

نستطيع القول إن هذه العدمية /المعرفية / الفكرية/ في الإدراك السياسي هي المسؤولة في الأساس عن وجود المشكلة ابتداءً في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، أقصد بالمشكلة محنة السياسة كفكرة ثقافية وفعل سياسي مدني «بطبعها وفعلها» مع المتدينين فكرياً بالمفهوم الأيديولوجي (المذهبي) الأحادي الذي دائما ما يتعامل مع تقديم الحلول، أو تصوير الحلول السياسية الناجعة لمشاكل المجتمع العربي (مخرجات الحوار، دولة مدنية، دولة اتحادية... مثلاً) بكونها تبدو متعارضة مع الدين الإسلامي بعد أن تم تحويل هذا الأخير في مرحلة تأريخية على يد علماء الدين إلى إيديولوجيات مذهبية ممانعة ومتعددة بتعدد أسماء الجماعات المتدينة أيديولوجياً / سلفية / حوثية / إخوانية / ذلك على سبيل المثال في مجتمعنا اليمني وليس الحصر.

ما يجب أن ندركه جميعًا، أن فكرة الدول وحتى مسألة بناء الأوطان التي نحلم بهما جميعاً، دائماً يتم بناؤهما بفعل سياسي عقلاني مدني وديمقراطي محض، وإمكانية النجاح في ممارسة هذا الفعل السياسي واقعيًا يشترط وجود مجتمع تجذرت فيه قيم المدنية والحرية وبشكل يجعل منهما نظاما معرفيا وثقافيا عاما (عقلا جمعيا) ما يعني في النتيجة النهائية أنه يتوجب على مستوى الفكر والممارسة ضرورة العمل على فض حالة الاشتباك القائمة تاريخياً بين الفكرة السياسة كمفهوم إنساني بشري وبين الفكرة أو الأحكام الدينية كمعتقد سماوي، لا سيما عند هؤلاء المتدينين بالمفهوم الأيديولوجي.

عندما أتحدث هنا وبالتحديد عن المتدينين أيديولوجياً لا يعني قط أن الآخرين قد أصبحوا ديمقراطيين أو أن السياسة لا تعاني محنة كبيرة معهم وهي بلا شك قد عانت الكثير معهم في الماضي وحتى في الحاضر؛ بل ما أقصده على وجه التحديد (أن السياسة مع هؤلاء المتدينين تعاني من محنة مضاعفة)؛ بحيث لا تستطيع مطلقاً أن تعبر عن نفسها بكونها مسألة دنيوية مدنية نفعية وجدلية تقتضيها وتفرضها مصلحة الجماعة المحكمومة باعتمالاتها وتفاعلاتها الاجتماعية، أو بمعنى آخر: تجد السياسة نفسها مع هؤلاء المتدينين "مؤطرةً" بما هو متعال ومقدس وحتى غيبي، في حين أن جوهر السياسة وحتى فعلها السياسي لا تعدو أن تكون آلية أو أفكارا عقلية بشرية مدنية عملية تتعلق بإدارة المجتمع الإنساني دنيوياً نحو المستقبل وليس نحو الجنة أو النار لا سيما بعد أن تحول وجود الفرد على سطح الجغرافية إلى جماعة سياسية إنسانية تعي ذاتها الجمعية وتحمل الكثير من التجانس الضروري في المصالح المشتركة وحتى الصراع المستمر على هذه المصالح في نفس الوقت.

فالسياسة بأي حال من الأحوال لا تحمل ماركة دينية ولا تقف عند حدود الدين كما لا يمثل هذا الأخير مصدراً لوجودها الحتمي؛ بل هي تتجاوز مسألة الانتماء الديني إلى ما هو إنساني واجتماعي محض، فهي تتعلق بوجود الجماعة الإنسانية كمخلوقاتٍ على الأرض لا سيما ــ في تطوراتها وصيرورتها الجمعية ــ ولا تتعلق بأي حال من الأحوال بوجود الدين كأيديولوجية أو كمعتقد مطلق وأحادي يميز أمة من الأمم عن أخرى أو شعبا من الشعوب عن بقية شعوب العالم.

فالسياسة من مسائل الضرورة في أي مجتمع مسلم أو غير مسلم، بل هي مطالبة بتقديم الحلول الناجعة وقد نجحت في تقديمها داخل المجتمعات الملحدة والعلمانية أكثر من نجاحها داخل المجتمعات الإسلامية التي تدعي أنها على الصراط المستقيم في حين أنها تصنف في قائمة الدول الفقيرة والمجتمعات الفاشلة على مستوى العالم. 

ومع أن هذا الفشل لا يتعلق بمسألة وجود الدين الإسلامي الذي نؤمن بكل ما ورد في تنزيله الحكيم من آيات صادقة أولها تلك التي تؤكد دنيوية المسألة السياسية وبشرية مصدرها واعتمالاتها (وأمرهم شورى بينهم / وشاورهم في الأمر)؛ بل يتعلق الفشل بما لم يحايث هذا الدين الإسلامي العظيم في مجتمعنا العربي والإسلامي من تحول مدني عقلاني على المستوى السياسي والثقافي والفكري المرتبط بالبعد الاجتماعي والإنساني منذ بواكير الدولة الإسلامية وحتى اليوم، بمعنى آخر أن مسألة التدافع السياسي الديمقراطي بعيدا عن سيطرة الدين والسلطان تكاد تكون منعدمة في تجربتنا التاريخية.

ما حدث عند الشعوب الأخرى وتأخر كثيراً حدوثه في واقعنا العربي لاسيما عند هؤلاء المتدينين أيديولوجياً، هو ذلك التحول الفكري والثقافي والمعرفي وحتى الفلسفي العقلاني الذي أدى إلى تحرير المسألة السياسة من سيطرة اللاهوت والاستبداد أو سيطرة الدين والسلطان وذلك من ثلاث زوايا بدت غاية في الأهمية فهي تحررت أولا بكونها فكرة مدنية بجوهرها، وبكونها ثانياً أفكارا دنيوية بشرية المصدر والمرجعية بطبعها، وبكونها ثالثاً ممارسة عقلية تتعلق بنجاعة الحلول الواقعية لمشاكل المجتمع والتي تقاس "دائما" بمقياس بشري دنيوي الخطأ والصواب وليس بمقياس ديني أخروي الحلال والحرم.

عن طريق تلك الاعتمالات والتحولات - الفكرية / العقلانية - التي حررت مفهوم السياسة في بعض التجارب الإنسانية مما هو غير سياسي استطاعت السياسة أن تمارس دورها الوظيفي تجاه المجتمع الإنساني (تسييس السياسة) وأن تصنع مجالها السياسي العام؛ بل استطاع الفكر السياسي العقلي وبدون وصاية متعالية دينية وبعيداً عن مفهوم القوة والغلبة أن يؤسس "تلقائيا" قنوات سياسية مشروعة وطبيعية داخل بنية السلطة ومؤسسات الدولة لممارسة الفعل السياسي المدني والديمقراطي وحتى التعددي على المستوى الثقافي والاجتماعي والذي من خلالهما تأسست الدولة الوطنية وحتى الدولة المدنية داخل فضاء سياسي واسع أي المجال السياسي العام والمفتوح أمام المكونات الاجتماعية والسياسية التي تمارس عملية التدافع السياسي بأدوات مدنية ديمقراطية.