ماجد زايد

ماجد زايد

تابعنى على

عن عبدالمجيد الذي مات مهاجراً

الخميس 19 مايو 2022 الساعة 07:37 م

صباح الخير يا أمي، أنا عبدالمجيد، هل تعرفينني؟! أنا ابنك المهاجر منذ سنوات، أنا نجلك الذي مات بعيدًا عن دموعك وحضنك وقلبك العامر العظيم، سامحيني يا أمي، أرجوك سامحيني، لم أكن أتوقع أن ينتهي بي المطاف غريقًا في نهر لا أعرف حتى اسمه ومكان لا أتذكر منه سوى الجوع والعطش، لقد تركوني يا أمي، وحيدًا، شريدًا، بلا طعام أو وطن، لم يحاول أحد هناك إنقاذي، وحينما قررت المغامرة بحياتي، لم يهتموا بي، ولم يمنعوني، لقد جرفني التيار بعيدًا يا أمي، بينما أيديهم تودعني، وملامحهم العاجزة تشير صوبي بخذلان وشفقة، كانوا يودعون شابًا ذهب بقدميه ليتخلص من جوعه وعطشه وضياعه الأبدي. 

أرجوك يا أمي لا تبكي عليّ، ولا تتحسري على مصيري هذا، لست بمفردي من مات هنا دونما وطن، شباب اليمن هنا منسيّون في مقابرهم بالمئات، لقد وجدت أسماء تشبهنا وتشبه ملامحنا ومقابرنا، وعلى بقايا رفاتهم كتبوا: مشردون من اليمن، بلا طعام أو كفن، شباب هاربون من أوطانهم المدمرة والمتحاربة، بلا كفيل أو فتات أو عدم، لقد وجدت هنا رفات مصطفى الريمي، شاب منا، متروك بخذلانه وضياعه، وحيدًا مثلي تمامًا في غابات كبيرة ومجهولة، وأحمد الشوافي، شاب من تعز وضعوا على قبره الترابي عبارات تقول: مشرد من بلاد الحرب واليمن، مات بمفرده وعجزه وخيالاته الحزينة، كان في الليل يبكي ويتذكر أهله، ويتمنى النجاة لينقذهم من بعده، لكنه مات بعجزه وضياعه ودموعه، مات بلا نجاة أو كفن. 

سامحيني يا أمي، لم أستطع إنقاذكم، ولم أتمكن من تحقيق ما كنت أعدكم به دائمًا، سامحني يا أبي، لن أتمكن من تسديد ديونك التي انتظرتني لأجلها، وأنتي يا أختي، أرجوك لا تنسيني، لقد حاولت بروحي وحياتي أن أصل إلى أوروبا، وأن أعمل فيها وأرسل لك ثلاث مائة دولار أول الشهر لتشتري تلفونا جديدا، سامحيني يا روحي كلما رأيت وجهي على شاشة جوالك القديم والرخيص، وأنت يا أخي، هل تتذكر رسائلنا الأخيرة؟! حينما أخبرتك بأن مستقبلك لن يكون مثلي، لأني سأصل إلى أوروبا وسأتكفل بمصاريف حياتك وجامعتك واحتياجاتك القادمة، صدقني يا أعز من قلبي أنني غامرت بعمري لأجلك، ولأجل أحلامنا البسيطة، لكنه عجز الحدود، وحواجز البشر التي منعتي عن كل هذا. 

لن أنساكم جميعًا يا أسرتي، أعدكم بروحي وما عانيته بعيدًا عنكم، وحياتي معكم ستبقى أعظم من أوروبا، ومن كل هذه الأنهار التي دفنتنا بتياراتها، وكل تلك الغابات المحشورة فيما بينها بالخوف والخذلان، سامحوني يا أهلي وعزوتي وملاذي الأخير، ما زلت أتذكر بيتنا الصغير وأحلق فوقه، وجيراني الودودين ما زالوا يبتسمون لي كلما تذكرتهم، وغرفتي التي تشاركناها جميعًا، وذلك الطعام اللذيذ رغم بساطته، وذلك الصباح البهي بطلته وحضوره، وليالي الشتاء بطولها وجمالها، الله كم أنا مقتول هنا ألف مرة بموتي البعيد عنكم وعن حياتي البسيطة والعظيمة، لقد كنت بينكم، سعيدًا رغم كل شيء، ثم غادرت مرغمًا ألف مرة، أرجوكم لا تحزنوا عليّ، يكفي أنني حاولت، وغامرت ومن ثم فشلت وهانذا أموت بعد أن غادرت، هل تعلمون يا أمي وأبي وأخي وأختي: حينما جرفني التيار هنا لم أرتجف من الخوف والبكاء، لقد عادت عندها خيالاتكم أمام عيني، كأنني أشاهدكم وأودعكم وأبتسم صوبكم بينما تلوحون لي، كانت روحي ترتفع، وابتسامتكم تزيد وترفع، وداعًا يا أخوتي، وداعًا يا أمي، وداعًا يا أبي، دعوني هنا، برفاتي وحسرتي وما تبقى مني، لا تطلبوا جثتي، أرجوكم لا تفعلوا هذا، صدقوني لا قيمة لها، لا تتحملوا عناء إعادة جسدي وجثماني، دعوني هنا فقط، لتشهد رفاتي ودموعي وجوعي وعطشي عن هذا المكان، الذي يموت فيه المشردون كل يوم، لنشهد جميعًا عن ضريبة انعدام الوطن، وضياع الدول، وهروب الشباب الحالمين للنجاة بأنفسهم من جحيم الفقر والجوع والأمل. 

وداعًا يا أمي، اعتني بصحتك أكثر، ولا تجعليني سببًا لحزنك الطويل، وأرجوكِ أن تبتسمي حينما تتذكريني، وحينما تحدثي الآخرين عني، وعن ابنك الذي غامر بروحه لينقذ أهله، عبدالمجيد الذي مات كالأبطال بينما كان يحاول ويحاول، لكنه مات ولم ينتصر، وأنتِ يا شقيقتي اعتني ببيتنا، وأكملي تعليمك ثم أبحثي عن عمل، سيكون حظك أعظم بكثير منا، لتحققي أحلامك وتشتري تلفونًا لا يملكه من بعدك أحد. وداعًا يا أبي، وديونك التي أنهكتك سيتكفل الله بها، أنا موقن برحمته وعظمته، وأنت يا أخي، لا تهاجر، إياك أن تغادر، لا تترك البيت والوطن، وأبحث في مكانك عن حظوظ الحياة والبقاء بالوطن، لن يتركك الله بلا تصاريف أو قدر. 

وداعًا أيها الوطن، لقد تشرفت بأنني عشت فيك، وبسببك رحلت وهاجرت، ثم مت ونفيت، وداعًا يا أصدقائي لا تبكوا عليّ، لقد ارتحت من حياة بلا وطن، وداعًا يا كل شيء، وداعًا أيها القلب المخذول والمدفون بلا تذكار أو نسب، وداعًا يا أحلامي، وشهائدي، ودفاتري، وملابسي التي اشتريتها بأرخص الأثمان، وداعًا يا روح تعذبت في نهايتها، وماتت بجوعها وعجزها وخذلانها، في أماكن لا تعرفها ولا تحبها ولا تتمنى تذكرها. وداعًا وداعًا.

الرحمة والخلود أيها الشباب المهاجر دونما وطن.. 

إلى روح اليوتيوبر اليمني عبدالمجيد خالد، الذي مات يوم أمس جوعًا وعطشًا وغرقًا أثناء محاولته اجتياز حدود بيلاروسيا صوب أوروبا وألمانيا.

*من صفحته في فيس بوك.