محمد عزان

محمد عزان

تابعنى على

هذا ديننا.. المرأة في القـرآن

الجمعة 27 ديسمبر 2019 الساعة 03:51 م

المرأة كالرجل حقيقة موجودة، تشاطره الحياة وتشكل معه واحدية الأصل المبثُوث منه رجالاً كثيراً ونساء، ولكلٍّ منهما تكوين فيسيولوجي معين، ووظيفة خاصة في تشكيل الحياة الطبيعية، وما ينشأ عن ذلك من غرائز وأحاسيس تُسهم في التكوين النفسي وترسم خارطة المشاعر وتكوِّن اهتمامات شتى تختلف وتتفاوت حسب أنماط الحياة وتأثيرات بيئة النشأة والتطور الخَلْقي والخُلقي.

وما بين واحدية الأصل وخصوصية التنوع نشأ جدل واسع حول (المرأة) كمفهوم اجتماعي يُعبر عن أنثى الآدميين، وفي ذلك تعددت الدراسات، حتى الفلسفات والأديان تناولت الموضوع من زوايا متعددة، وقدمته في صور شَتَّى.

وكان لرسالة الإسلام -في موضوع المرأة- إسهام مميز، أحدثت تشريعاته في حينها ضجّة واسعة، وصدمت المجتمع كما لم تصدمه أيُّ تشريعات أخرى، فقد تحدث عن المرأة بأشياء لم تكن مألوفة، مثل: مشاطرتها للرجل في الأبوة والتَّنوع والزوجية، ومخاطبتها كشخصية مستقلة يتعلق بها التَّكليف والمسؤولية وما يترتب على ذلك من عاقبة وجزاء.

وقبل الحديث عن التشريعات التفصيلية المتعلقة بالمرأة في القـرآن نُذكّر بأن المجتمعات والثقافات في زمن نزول القرآن كانت تزدري المرأة وتقلل من شأنها، حتى كان بعضهم يعتبرون وجودها مشكلة ﴿وإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ. يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾! وهنا سجّل القرآن اعتراضه القوي الصارخ على نظرتهم للمرأة وسوء التعامل معها، بقوله: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾؛ ليدشن بذلك المرحلة الأولى من مشروع تصحيح وضع المرأة في المجتمع على المستويين النظري والعملي، وفي نفس الاتجاه:

▪في التكوين ذكَّر بأن الأنثى شريكة الذكر في كونها أصل الجنس البشري، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾.

▪في التكليف اعتبرها مستقلة في تكليفها شأنها شأن الرجال، فقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

▪في التَّملّك قرر أن النساء مالكات مُكتَسبات لهن حق التصرف فيما يخصهن وله الولاية عليه، لا يختلفن في ذلك عن الرجل، فقال: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾.

▪في الميراث جعل النساء وراثات كما يرث الرجل، بعدما كانت المرأة في العرف الجاهلي مجرد جزءٍ من تركة الرجل، فقال: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾.

وفي التفاصيل وشُبَه المشككين لنا كلام كثير، سأحاول إيجازه بأقصى قدر ممكن.

ويمكنكم أن تلاحظوا مدى فجور المشككين في قيم القرآن الكريم، حينما ينتقون جمُلة أو جملتين من بين أكثر من ستة آلاف آية، ويفصلونها عن سياقهما الموضوعي، ولا يراعون ما ورد في آيات أخرى من تفصيل وبيان، ليقدموها بصورة يستنكرها محدودي المعرفة بمن فيهم عوام المثقفين.

ففي موضوع المرأة في القـرآن -على سبيل المثال- يأتون بجملة {فاضربوهن}، وجملة {للذكر مثل حظ الانثيين}، وجملة {الرجال قوامون على النساء}، ويضعونها في سياق جاف غير الذي جات فيه، ويقدمون ذلك على أنه خلاصة كلام القرآن عن المرأة!!

ولعلهم لا يعرفون أو يتجاهلون أن القرآن تحدث عنها في نحو (ثمانمئة موضوع)، حيث:

▪تحدث عن الأنثى كـ«نفس» مُكتسبة للحياة شأنها شأن الذَّكر، في أكثر من (مئتين وستين موضوعاً)، وكـ«إنسان» شأنها شأن الرجل، في قرابة (ثلاثمئة موضوع)، ولم يفرّق في كل ذلك بين ذكر وأنثى؛ لا في تكوِين ولا خاصيّة ولا حكم.

▪وتحدث عنها كـ«أنثى» في (ستة وعشرين موضوعاً)، تناولت الجانب الطبيعي في خَلقها ووظيفتها كأنثى، تتميز عن الذكر بفوارق تكوينية تجعلهما معه مهيأان للزوجية.

▪وتحدث عنها كـ«مرأة» و«نساء»، في نحو (خمسة وسبعين موضوعاً) تناول فيها وظائفها وأحكامها -القائمة على أساس الفُروق الطبيعية- كالحمل والحيض والرضاعة والحالة الجنسية ونحو ذلك.

▪وتحدث عنها كـ«زوج» أكثر من (سبعين مرة)، كتعبير عن الزوجين اللذين يكمل كلٌّ منها الآخر، خصوصاً أن لفظ زوج يفيد الزوجية فحسب وليس فيه مُذكر ومؤنث، إلا بما يقتضي السياق أو يقيده الضمير.

ومتابعة لما بدأناه عن موضوع المرأة في القـرآن نلفت الانتباه إلى أن ألفاظ: «أنثى. امرأة. نساء. زوج» مصطلحات يختلف بعضها عن بعض في تعبير القرآن، كما يوحي به السياق وأصل اللغة، إذ إنّ كل إنسان ذكر وأنثى، وليس كل ذكر وأنثى إنساناً.

وكل امرأة أنثى، وليس كل أنثى امرأة، ولا كل زوجة امرأة، وليس كل أمرة زوجة.

▪كلامه عنها كـ(أنثى)، يشمل إناث الآدميين وغيرهم، بهذا المصطلح تحدث عن كونها -إلى جانب الرجل- «الأصل المبثوث منه رجالاً كثيراً ونساء» ولم يفرق بين ذكر وأنثى في الحقوق والواجبات فما يتعلق بكون كلٍ منهما «نفس» أو «إنسان»، وإنما فرّق بينهما فيما يتعلق بتكوينها الخَلْقي وما يترتب عليه من دور في الحياة، كالحمل والولادة والرضاعة ونحو ذلك.

▪وكلامه عنها كـ(امرأة ونساء)، يتناول: أنثى المرء سواءً اقترنا بالزوجية أم لا، وعدهما «العنصران الرئيسيان في كينونة المجتمع»، ولم يفرق بينهما كنفسين أو إنسانين، وإنما في وظيفة الرجل كذكر والمرأة كأنثى، وهي قائمة على فُروق خَلْقية ونفسية لا يمكن لإنسان طبيعي تجاهلها، وليست في تلك الفروق ما يعد فضيلة لأحدهما على الآخر، كجَلَد الرجل ورِقّة المرأة، وأسباب ضعف الرجل وجاذبيته، وعوامل ضعف المرأة وجاذبيتها.

▪وكلامه عنها كـ(زوج)، يتناولها مع الرجل في آن واحد، على أنهما «مكملان لبعضهما في تكوين الأسرة في ضوء عقد أخلاقي يتعين على كل منهما الالتزام به»، مع بقاء حقهما المشترك كنفسين وإنسانين، وخصوصية كل منهما كذكر وأنثى ورجل وأمرة، وكل حكم يلحق ببابه لا يتعدى إلى غيره..

ومن هنا ندرك أن جانباً من النكير على بعض أحكام القرآن فيما يتعلق بالمرأة، يقوم على خطأين:

1- التعبير عن بعض المصطلحات بمصطلحات أخرى تختلف عنها في الوصف والدلالة والحكم، كما سيأتي توضيحه.

2 - نزع الجُمل من سياقاتها الموضوعية وخصوصيتها اللغوية، ووضعها في سياق آخر، إما يصنعونه (هم) تحت تأثير موروث معرفي معين، وإما تحت تأثير خيال مشوّه وأحكام نمطية مُسبقة.

* جمعه نيوزيمن من منشورات للكاتب على صفحته في الفيس بوك