حسن الدولةحسن الدولة

الدين والشرائع بين الإطلاق والتقييد

مقالات

2020-07-31 19:11:10

من بديهيات الأمور أن ما أُنزل على نبينا الكريم هو عين ما أُنزل على الأنبياء أجمعين منذ آدم عليه السلام وحتى أخر الزمان وأصوله ثلاثة:

- الإيمان بالله.

- الإيمان باليوم الآخر.

- العمل الصالح. 

وبما أن الحياة متغيرة ومتطورة ومتجددة فإن الناس أدرى بشؤون دنياهم؛ وقد ترك الله سبحانه للناس تنظيم شؤون حياتهم حسب مقتضيات الزمان والمكان؛ فلكل من البشر جعل الله لهم من عندياتهم شرعة ومنهاجا فقال سبحانه: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) ولم يقل "لكم" بل أكد أنها :"منكم" ذلك لأن وقائع الحياة وأحداثها ونوازلها ومستجداتها لانهائية وبالتالي فأحكامها لانهائية.

بينما النصوص محدودة ومتناهية؛ والفجوة بينهما واسعة بل لا متناهية أيضا وذلك لأن القاعدة الحسابية تقول: لو كان لدينا مليارات من النصوص فإن قسمتها على ما لانهاية له من الوقائع والأحداث والنوازل فان النتيجة تساوي صفر.

ولذلك فأنه سبحانه بين لنا أن علة إرساله للرسل وإنزال الكتاب والميزان بأنها ليقوم الناس بالقسط؛ فالقسط هو شريعة الله الأزلية المطلقة وليست تلك الشرائع التي تورمت بها كتب الفقه والقوانين والقلقلات والعنعنات وأحاديث السمر. 

 فالقسط هنا يعالج كل المشكلات وكل صيغ المعاملات منذ الأزل إلى الأزل، فما على الناس إلا أن يتغيوا القسط - العدل - في جميع معاملاتهم الفردية والأسرية والمجتمعية والدولية... إلخ لكي يطبقوا شريعة الله ويحكموا بما أنزل على جميع أنبيائه. 

ونخلص مما سبق إلى أن كل آيات الأحكام تندرج ضمن هذا المعنى المطلق لمفردة "القسط" لأن ذلك هو الشرع الأزلي؛ وعلى ضوئه فكل دول العالم تشرع وتقنن شؤون دنياهم لتحقيق القسط؛ وهي بذلك تحكم بما أنزل الله عليهم من خلال الروح الأمين الذي هو أقرب إلينا من حبل الوريد فهو تلك النفخة التي هي من أمر الله.

وطالما  كل تشريع يتغيا العدل بين الناس فإنه حتما شريعة الله المنزلة على عباده بمعناها الواسع...

وقد نصت على ذلك تلك القاعدة الذهبية الإسلامية التي تقول :(أينما تكون المصلحة فثم شرع الله) .

فالله يقول لنبيه الكريم:  (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وأساس الرحمة كما ذهب إليه علماء الاصول والمفسرون هي المصلحة..

لكن فقهاء الحيض والنفاس حصروها في الفرائض والنصوص المتعلقة ببعض المعاملات وفي آيات العقوبات بخاصة التي لا تتجاوز عدد أصابع اليد فجعلوا من ذلك مطلق الشريعة.

 بينما كل ما ينظم شؤون الحياة والمعاملات على مستوى الأفراد المجتمعات والشركات والمؤسسات والمدارس والكليات والجامعات والدول وكل ما من شأنه ينظيم شؤون حياة الناس هي شريعة الله..

وكلٌ يشرع بما يتناسب واحتياجاته وظروفه ومستجدات وتطورات الحياة أي أن الشريعة لا متناهية من النصوص التي أجملت في كلمة واحدة وهي (القسط) بمعناها المطلق لأن حصرها في عدد من الأحكام مهما بلغ عددها لا يلبي شؤن الحياة قصيرا وستظل النصوص قاصرة مهما بلغ عددها وذلك لان الحياة لامتناهية. 

وإننا بالمعنى المطلق لمفرد " القسط" نجعل الشريعة ملبية للتطور مهما بلغ الشوط البشري من التقدم والرقي، فإن الشريعة تتسع لتحقيق العدل في التعامل تبعا لمصالح الناس كما اسلفنا. 

وبهذا نستطيع ردم تلك الفجوة العميقة بين النصوص المحدودة المتناهية وبين الأحداث والوقائع والنوازل اللانهائية...

حينئذ فأن القاعدة الحسابية تقول بأن لا نهائية العدل على ما لانهائية له من الأحداث والوقائع والنوازل والمستجدات تكون النتيجة - المعطيات والنتائج- ما لانهاية له من الاحكام (والمخرجات)..

 لذا فيجب أن نتمسك بتأويل النصوص إلى ما لانهاية له من المعاني التي تغطي الوقائع والاحداث والنوازل..

طالما والإنسان يتغيا العدل من أدائها وفي الأصل تطهير للنفوس وتزكيتها؛ ولا يحوز للبشر أن يحصروا شريعة الله في نصوص شريعة ما وهو القائل :(قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا) [الكهف 109] 

إذن الشريعة الربانية منفتحة انفتاحا لا نهائيا مستجيبة بذلك لمتغيرات الزمان والمكان؛ فتنفيذ تعاليم الدين ممارسة والممارسة فعل إنساني وبالتالي فالفعل متغير ومتطور حسب المكان والزمان. 

فالشريعة ليست تلك الاقوال التي تورمت بها كتب الفقه؛ أقول هذا مع إيماني بأن الأديان ليست كتلة جامدة من العقائد بل هي ممارسة للشعائر وتفسيرا للنصوص المقدسة، وضعت للأبد، خصوصًا لدى المسيحية والإسلام، الديانتان اللتين شهدتا تغييرات شديدة، فالمسيحية في بداياتها تختلف كليًا عن مسيحية البابوية في أوج سلطتها. 

والأمر نفسه بالنسبة إلى الإسلام، حيث إن حرية تفسير النص القرآني منفتحة على كل العصور ومعبرة عن الأديان السابقة لقوله سبحانه لنبيه الكريم :(إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده؛ وأوحينا إلى ابراهيم واسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وءاتينا داوود زبورا) [النساء 163]

فطالما والأديان ثابة والشرائع متغيرة فأن الدولة في الإسلام دولة مدنية علمانية لا دينية؛ ولا رهبنة في الدين والله سبحانه لم يعط سلطة دينية لانسان على اخيه مهما بلغ كعبه في الدين.. بل جاء الإسلام لبنسف الدولة الدينية من اساسها ولم يبق لها رسما ولا اثرا فقال لنبيه  (وما على الرسول إلا البلاغ)،  وقال له: (لست عليهم بمسيطر).

قال ذلك رغم أنف دعاة الدولة الدينية - الثيوقراطية - الذين جعلوا الدنيا دار جزاء ولم يبقوا لله شيئا مما وعد عباده على لسان رسله وانبيائه الذين جاءوا برسالة تجعل الدين لله بل وامرنا بقتال الذين يفرضون القيمومة على دينه فقال اعز من قائل :(وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله).


فليكن شعارنا الدين لله والوطن للجميع،

هذا ينطبق على كل اأدديان ولم يقل بالثيوقراطية بعد الكنيسة سوى بعض مذاهب اهل السنة التي توجب طاعة الحكام وتؤمن بتلك المقولة المأثورة عن عثمان حين طالبته الأمصار بإعتزال الحكم فقال: (والله لن أخلع قميصا البسنيه الله)


نعم أن فتح قراءة النص هيرمينوطيقيا اي فهم معنى المعنى للنص او فهم الفهم حسب حادامير، وهذا الفهم هو الذي أدى في البداية إلى ازدهار التفاسير والمدارس الفلسفية الروحانية وأنواع من الممارسات الطقوسية.


 والحال نفسه أيضًا بالنسبة إلى اليهودية، حيث لم يفتها أن تعبر عن نفسها بأشكال مختلفة تبعًا للمراحل التاريخية وأماكن توطنها الجغرافية.



* من صفحة الكاتب على الفيسبوك

-->