ماجد زايد

ماجد زايد

تابعنى على

"الملاذ الديني الوحيد".. عن العمراني في يومه الأخير

الاثنين 12 يوليو 2021 الساعة 09:09 م

بعد افتتاح جامع الصالح بصنعاء في العام 2008، كان أهم وأبرز ما حشد الناس وأغراهم للمداومة والحضور للمسجد دروس العلامة محمد بن إسماعيل العمراني الأسبوعية مع نخبة من العلماء البارزين، في تلك الحقبة الزمنية الحافلة بالصراع الخفي بين الاعتدال الديني الناتج عن استقرار سياسي ديني ظاهري، وحروب مذهبية مطلة برأسها تنتمي للزيدية السياسية في أقصى الشمال، والشافعية السنية في أقصى مناطق الشرق والجنوب، كانت آنذاك المخاوف والتهديدات تلوّح برأسها في كل زاوية من زوايا الوطن، وهو توقيت متمثل بذروة الاعتدال الديني السلطوي والمجتمعي العام الممزوج بالتوجس الشعبي العام من مستجدات خفية وقادمة.. 

في تلك الحقبة من حياتنا كان العمراني يقيم دروسه الأسبوعية متنقلًا بين الفقه والأحكام الشرعية، ومصحوبًا بالدردشات العامية والحكايات البسيطة والمبسطة والملهمة لكثير من الحاضرين، كنت أحد الحاضرين في دروسه تلك، ضمن جموع شعبية فائقة التنوع والبساطة والشغف الديني المعتدل، في أحد دروسه تحدث العلامة العمراني بشكل واضح عن غاية الدين والتدين، وضرورة الاعتدال الديني بمعنى أوضح، والفرق الجوهري بين الثقافة والدين من ناحية، وفلسفة الدين في حياة الناس من ناحية متصلة، يومها كانت الفلسفة واللغة العمرانية مبسطة ومفهومة للإنسان العامي البسيط، بشكل لا يحدث في عالم الفكر والتفلسف العلمي الفقهي أمام الحاضرين.. 

في خلاصة دروسه وفلسفته، لا نتجاوز فكرة الإصرار العمراني على ضرورة استعادة الإسلام المعتدل الذي تم اختطافه لفترات طويلة، معززًا ذلك بحاجة الشعب والوطن لخلق ثقافة معتدلة قادرة على احتضان الدين من جذوره كليًا، وبدون هذا سيظل الجميع يدورون حول أنفسهم وقناعاتهم الموجهة مسبقًا. وبشكل عام، التوازن في كل الأمور يخلق العدل، وكذلك التدين باعتدال يخلق العدل والرضا النفسي للعنصر البشري، وهو ما دار حوله العمراني صانعًا مدرسته اللاحقة لذكراه ووجوده..  

ذات يوم سئل القاضي العمراني عن شعار الموت لأمريكا وإسرائيل، كيف يظنه ويراه..؟! ابتسم قائلًا: يجب أن يكون الموت في واشنطن ونيويورك مش في صنعاء وباب اليمن.. ويوم آخر سئل عن غياب دور العلماء بل وانخراطهم ضمن التحريض على الصراع الديني..؟! صمت لبرهة، ثم فرك إصبعه الإبهام بالسبابة وحركها مشيرًا بهما قائلًا: “الزلط ما سواها”!!

كانت مجرد كلمات للرد الذكي عن أغراض سياسة خالصة، لكنها تعني في براعتها عشرات السطور من الشرح والتدوين، وهي طريقة عمرانية عن بداهة الرد الذكي المختصر والمضحك، هذه الطريقة لا تعني التهرب بقدر ما تعني الاختصار والتلويح بالخلاصة من وراء كل شيء، العمراني كان بالفعل أحد أدهى علمائنا وأبرزهم فهمًا لحيثيات الواقع والتداخلات المعقدة، لكنه لا يهتم بإقحام ذاته فيها، كان روحًا عن البسطاء في ذكائهم وفهمهم لما يحيط بهم.. 

أخيرًا

محمد بن إسماعيل العمراني، مثل في حياة اليمنيين وبلا منازع فكرة الاعتدال الديني الأوحد، فكرة الوسطية المرغوبة في كل أصقاع الوطن وانتماءات الشعب والبسطاء، عن حقيقة الإسلام وشكله العام في مفهوم الناس للدين، ورغباتهم الروحية فيما يخص حياتهم وتعليمهم واقتداءاتهم، حدث هذا بعد سنوات طويلة قضاها اليمنيون كضحايا من مدارسهم الدينية ومساجدهم الموجهة، ومدرسيّهم الذين أودعوا فيهم كراهية الحياة وحب العنف والرعب في أذهان المراهقين، مدارس القيامة التي ستقوم الآن، والعذاب المخيف للقبر والجحيم، والتهويل العاطفي في قلوب وعقول الطلبة الصغار الذين لا حول لهم ولا قوة في تحمل ذنوب العالم والحياة بكل ضخامتهما، مدرسة العمراني الدينية المعتدلة كانت النقيض الفعلي لسنوات التعليم والتجيير الديني الممنهج، التعليم الذي أهدر منا سنوات طويلة ضمن غايات استغلالية لجماعات مرتبطة بالسياسة والسلطة، هذه الغاية الشعبوية المستوحاة من مدرسة الإمام الشوكاني والمنفتحة على كل المذاهب الدينية بشتى توجهاتها، مثلت الملاذ اليمني الأخير والمتوسع والمتجذر في قناعات الجميع، وهي بلا شك الملاذ الهادئ للمستقبل والدين، ومع تعمقها واقعيًا ستصبح حالة من السكون البشري والاطمئنان المعيشي والرغبة الجامعة للتوحد الديني العام بين الناس.. 

رحم الله العلامة محمد بن إسماعيل العمراني.. 

كان ضوءنا وصراطنا الديني المستقيم، في ذروة التطرف والترهيب العميق من فكرة الدين المؤدي للجحيم.. 

رحمة الله عليه.. 

*من صفحة الكاتب على الفيس بوك