أنور العنسي

أنور العنسي

تابعنى على

اليمن.. بين بلقيس وأروى!

الثلاثاء 21 سبتمبر 2021 الساعة 07:20 م

هما الاسمان الأهم في تاريخه، الأولى من زمن الجاهلية، والثانية من عصر الإسلام، وأمامهما لا يكاد يُذكر إلاَّ القليل جداً من أسماء الرجال عبر التاريخ في الجاهلية والإسلام معاً!

الأولى حكمت اليمن في الجاهلية وجعلت منه يمناً تصفه الرسالات السماوية بوطن الحكمة والإيمان، والثانية أبدعت صورة الحياة على أرضه في صدر الإسلام بالنافع من العلم والعمل لا بمجرد الكلام!.

بلقيس:

كما يستدل عليها من آثارها، كان لها الأثر السياسي الأكبر من كل ما تركته الحضارات القديمة في تاريخ التجربة الإنسانية من مبادئ للاحتكام إلى العقل والشورى في اتخاذ القرار.

هناك من الأساطير ما قد يصل إلى درجة المبالغة في وصف عهد بلقيس، لكن المهم أن زمنها لا يجب تجاهله كله، ولا أخذه في الموروث من الكتابات عنه بمجمله دون تدقيق ومراجعة.

عندما كنت في مأرب للاحتفال باكتشاف (رأس الجبل) من معبد (برآن) قالت لي عالمة آثار المانية "تحت أقدامنا مدنٌ لا مدينة، مملكة بكاملها، لو تم اكتشافها بعناية ودراسة آثارها ونقوشها لتغيرت نظرة البشر إلى التاريخ"!

ما قصدته هذه المرأة صاحبة الباع الطويل في علم الآثار هو أن اليمن في وضعه الراهن والمنطقة المفتونة بالنفط والغاز، والغرب المنشغل حينذاك بمحاربة (الإرهاب) كلهم جميعاً ليسوا في وارد التفكير في فهم المصير الذي وصلت إليه الإنسانية بسبب التخلي عن إدراك المقاصد النبيلة لحضارات اليمن وغيرها من الممالك القديمة في العراق ومصر وسوريا.

ثمة تفاصيل عديدة لا مجال هنا لتفصيلها!

أروى:

لم تكن امتداداً تاماً لشقيقتها بلقيس ولا انفصالاً عنها، شخصيتان مختلفتان تماماً ومتفقتان في آن معاً، الأولى آمنت بديانةٍ ما، والثانية آمنت بغيرها، لكن مثلما انشغلت بلقيس بالاحتفاظ بمياه الأمطار الشحيحة المنحدرة من جبال خولان إلى مأرب في سد مأرب انشغلت أروى بكيفية جعل المياه القادمة من جبال الشمال تتوزع بهندسة مائية ذكية على وديان محافظة (إب) قبل أن تغمر دلتا محافظة (أبين) وتمضي لاحقاً في حدها الأدنى الفائض إلى البحر.

أنشأت أروى شبكة لا تضاهى من السواقي وشبكات الري التي تتحكم بمجريات مياه الأمطار، وتصب في مدرجات الزراعة الترابية من أعالي الجبال حتى أسفل الوديان والسهول بقدر الحاجة وبحسن تصرفٍ عجيب!

أهم قاسم مشترك بين بلقيس وأروى هي الأرض، أرضك، أرضك أيها الإنسان، بقدر ما تمنحها من الحب والاهتمام تعطيك الكثير من الكرامة.. هذا باختصار شديد ما أدركته بمنتهى الذكاء هاتان السيدتان.

من بذمتكم يفكر اليوم في اليمن بعقلية بلقيس وأروى؟!

*  *  *

من قال إن هناك يوماً آخر في حياة اليمنيين أهم من 26 سبتمبر 1962 إنما هو واهمٌ يضحك على نفسه.

 26 هذا اليوم هو يوم كل الناس، وليس بعضهم، يوم العدالة للجميع، يوم الاقتصاص من ظلم قرون، للجميع من أجل تآخي الجميع ومساواتهم ببعضهم! 

خذوها من أخيكم الكبير!

*جمعه "نيوزيمن" من منشورات للكاتب على صفحته في الفيسبوك