فهمي محمد

فهمي محمد

تابعنى على

في ذكرى سبتمبر.. مفهوم الثورة والمنجز التاريخي

الاثنين 27 سبتمبر 2021 الساعة 10:01 م

الثورة -في نجاعة فعلها الثوري ومشروعها البديل- تتجلى دائماً وأبداً في قدرة سلطتها على تحويل أحلام من كانوا في الماضي إلى واقع يعيشه الناس في حاضرهم، لهذا اقول دائماً (إن الثورة الحقيقية هي الثورة القادرة على إعفاء الأجيال القادمة من مشقة التفكير في الثورة) ما يعني أن ثورة الخلاص تجعل من سلطتها الحاكمة أدوات تغيير، ووسيلة نضالية في سبيل تحقيق قطيعة سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية مع أسباب الثورة، وهذا مكمن الفرق بين ثورة هنا وأخرى هناك، أو بين تجربة ثورية -تاريخية- وأخرى معاكسة لها في المآلات الكارثية، كما هو الفرق بين تجارب الثورات المتعثرة تاريخياً في مجمل أقطارنا العربية، وبين تجاربها الناجحة في العالم الغربي.

فمع هذه الأخيرة تحولت الثورة بحد ذاتها إلى حدث تاريخي أكثر من كونه حدثا سياسيا، كما هو حال ثورتنا في اليمن التي لم تتحول بعد إلى حدث تاريخي، بمعنى آخر استطاعت الثورة في التجربة الغربية أن تصنع التحولات التاريخية/ السياسية/ نحو التقدم الذي يصنع المستقبل، وأكثر من ذلك خلقت جيل ما بعد الثورة بوعي حداثي ديمقراطي لا يساوم في مسألة الحقوق والحريات، وهذا ما يفسر ارتباط الوجدان السياسي لدى المواطنين الغربيين فيما يخص مسألة الثورة بكونها مشروعا ثوريا (مشروع تغيير في المقام الأول) أقل ما يقال عن مخرجاته المستقبلية التي لامست حياة الناس أنه حول سلطتهم إلى دولة ديمقراطية، وجغرافيتهم إلى وطن للعيش الكريم، في حين أن الوجدان السياسي لدينا ما زال بعد ستة عقود مرتبطا بالثورة بكونها فعلا ثوريا نجح في إسقاط النظام الإمامي الكهنوتي ليس إلا! 

وهذا بحد ذاته يجعل رمزية الثوار كمناضلين في ذاكرتنا الوطنية، أكثر دلالة من رمزية الثورة نفسها كمشروع تغيير لم ينعكس على واقع الأجيال، لهذا نجد التاريخ السياسي في اليمن يسجل لنا تاريخ ثوار خاليا من تاريخ ثورة، وعلى العكس من ذلك يسجل التاريخ السياسي في الغرب للأجيال تاريخ ثورة أكثر من كونه تاريخ ثوار في حين تحتفل الأجيال المتعاقبة هناك في أعياد وطنية تذكر العالم بمنجزات الثورة أكثر من ذكرى اليوم الذي اندلعت فيه الثورة، مثل يوم الديمقراطية ويوم المرأة ويوم المواطنة المتساوية أو الدستور، لأن مبرر الثورة والتضحيات المقدمة في معركة التغيير يجب أن تقاس بالمنجزات التي تحققت في واقع الإنسان على يد سلطة الثورة.

فعلى سبيل المثال تكمن قيمة الثورة الفرنسية لدى الفرنسيين ليس بكونها الثورة التي أسقطت عائلة لويس من الحكم، وألغت بذلك النظام الملكي الوراثي للأبد، وإنما بكونها ثورة عظمى صدرت للعالم مفاهيم الحرية والديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان، ناهيك عن نجاحها في صناعة مستقبل الفرنسيين عن طريق تحويل سلطتهم الوراثية إلى دولة مدنية وجغرافيتهم إلى وطن يقبل العيش بحرية وكرامة حتى للاسلاميين الذين يناصبون العداء للنظام العلماني ولسياسة فرنسا كدولة!