الحوثي وداعشية الفكر "المذهبي والسياسي" ضد الخصوم.. وفاة ياسر العواضي أنموذجاً

تقارير - الجمعة 19 نوفمبر 2021 الساعة 09:30 ص
صنعاء، نيوزيمن، تقرير خاص:

مثّل رحيل الشيخ ياسر العواضي، الأمين العام المساعد للمؤتمر وعضو كتلته البرلمانية المفاجئ، فاجعة لمعظم اليمنيين على اختلاف مشاربهم بحكم ما كان يتمتع به القيادي والشيخ القبلي البارز ياسر العواضي من علاقات مع الجميع ومن مختلف الأطياف.

وعكست التعازي التي انتشرت في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي من شخصيات وقيادات سياسية وبرلمانية وإعلامية وناشطين ومثقفين وشخصيات قبلية، ودبلوماسيين عرب وأجانب، حجم الحب الذي يكنه الناس للعواضي، حتى بعض أولئك الذين كانوا ضمن خصوماته السياسية.

لكن الملفت للنظر هو الحالة التي أظهرتها قيادات وإعلاميو ونشطاء المليشيات الحوثية، الذراع الإيرانية في اليمن، تجاه وفاة الشيخ ياسر العواضي، فرغم أن بعضهم لا يكادون يتجاوزون عدد أصابع اليد نشر تعازي بوفاة الشيخ ياسر العواضي، تضمنت التلميح إلى خوضه الحرب ضد المليشيات إلا أنها أثارت حفيظة الكثير إن لم يكن معظم قيادات واعلاميي وناشطي الحوثيين المنتشرين على مواقع التواصل الاجتماعي، والذين راحوا يهاجمون المعزين بوفاة العواضي سواءً من التابعين للمليشيات أو من غيرهم، ويعتبرون التعزية فيه جريمة، بل ذهب الكثير منهم للشماتة بموته وتكرار مزاعم أنه كان عميلا للتحالف، وكان على رأس من زعموا ذلك الأمين العام للمكتب السياسي للمليشيات الحوثية فضل أبوطالب.

وتعكس مواقف القيادات السياسية والإعلامية والناشطين في مليشيات الحوثية من قضية وفاة الشيخ ياسر العواضي حقائق كثيرة عن الخلفية العقائدية والمذهبية والدينية وحتى السياسية التي ترى بها المليشيات المختلفين معها جميعهم دون استثناء سواءً أكانوا قيادات سياسية حزبية، أو شخصيات اجتماعية، أو من عامة الناس وبطريقة تؤكد أن الجميع في نظر هذه المليشيات خصوم ما لم يسلموا بمعتقداتها وخرافاتها ويستسلموا لما تريده من سيطرة وسطوة وبسط على السلطة، وفقا لتلك المفاهيم الخرافية القائمة على مزاعم من قبيل (الحق الإلهي- والولاية – والنسب الهاشمي) وغيرها من الادعاءات والأكاذيب التي ما أنزل الله بها من سلطان.

حتى الموتى لا يسلمون من التكفير 

لا تختلف المليشيات الحوثية عن غيرها من حركات الإسلام السياسي في استخدام المصطلحات والمفردات ذات الصبغة الدينية في توصيف خصومها بنظرة قائمة على تكفير واستباحة دم أي خصم سياسي أو ديني أو حتى اجتماعي، وتميز الحوثيون بإطلاق صفات الكفار والمنافقين والمرجفين على خصومهم في مقابل وصف أتباع المليشيات بالمؤمنين والمجاهدين، وقادتهم بأعلام الهدى.

ولإيضاح الحقيقة السابقة سندلل على ذلك بتغريدتين؛ الأولى للقيادي في مليشيات الحوثي والناطق باسم وزارة الصحة الدكتور يوسف الحاضري الذي علق على موضوع التعازي بوفاة الشيخ ياسر العواضي بإيراد قوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْـمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى)..ثم يقول: (من شروط الإيمان الالتزام التام بمثل هذا التوجيه لذا لا يجوز التعزية والدعاء للهالك ياسر العواضي، ومفهوم الشرك عام يشمل المنافقين من المجتمع المسلم ويشمل الكافرين الملحدين ويشمل ايضا اليهود الذين يقولون عزير ابن الله ويشمل النصارى الذين يقولون ان الله ثالث ثلاثة وحيث جاءت هذه الآية في سياق الحديث عن المنافقين في سورة التوبة لذا فمن الخطأ ان نجد من يترحم ويعزي في وفاة احد المنافقين اليمنيين وندعوهم لمراجعة أنفسهم وتصحيح خطأهم).

إذاً، فياسر العواضي وكل خصوم المليشيات الحوثية حتى بعد موتهم هم في نظر هذه المليشيات كفار ومنافقون يجب قتالهم وقتلهم، وإن ماتوا أو توفاهم الله فلا يجوز الترحم أو التعزية بموتهم، كما تؤكد ذلك تغريدة الدكتور يوسف الحاضري.

وعلى ذات المنوال وفي تغريدة للإعلامي والمذيع في قناة المسيرة الناطقة باسم مليشيات الحوثي علي عبدالوهاب يجد المتابع حقيقة النظرة التي ترى بها المليشيات الآخر المختلف معها خصوصا إذا ما كان من خصومها الذين يعلنون على الملأ رفضهم للمليشيات ولعقائدها وافكارها وتوجهاتها، ففي معرض تعليقه على التعازي بوفاة الشيخ ياسر العواضي الأمين العام المساعد للمؤتمر وعضو مجلس النواب والشيخ القبلي البارز الذي واجه المليشيات الحوثية حربا يقول في صفحته على تويتر: (الخلاف بيننا وبين خصومنا ليس محكوما بالصراع السياسي الدنيوي البحت بل هو صراع من منطلقات دينية لا تحتمل الا الحق والصواب.. ليست منافسة مؤقتة.. وندين بهذا الله اليوم ويوم نلقاه وسيكونون خصومنا غدا كما هم اليوم... وسنرفع مظالمنا ومظالم شعبنا وننتظر العدالة الالهية كما وعد ووعده الحق).

هذا الموقف الذي يحمل أيديولوجية دينية تتسق مع أيديولوجيات حركات الإسلام السياسي المختلفة والتنظيمات الإرهابية المتفرعة عنها (مثل داعش، والقاعدة، والشباب المؤمن، وبوكو حرام، وطالبان وجيش عدن أبين، وجبهة النصرة وبقية التنظيمات الإرهابية الأخرى) حيث لا ترى في الآخر سوى مجرد كافر ومنافق يجب قتاله وقتله أو إرغامه على اتباع فكرهم وتوجهاتهم التي تصر على إقامة دولة إسلامية يحكمها الخليفة أو الإمام وضرورة أن تقام هذه الدولة بالقوة واستخدام السلاح وقتال وقتل كل من يرفض أو يناهض أو يعارض هذه التوجهات.

إذاً من منطلق الفكر الحوثي فرفض أي تعزية بوفاة الشيخ ياسر العواضي ليس مبررها مجرد معارضته وخوضه حربا ضد المليشيات انتصارا لكرامة امرأة اهانتها المليشيات الحوثية، بل لأن هذه المليشيات ترى في ياسر العواضي وكل خصومهم ومعارضيهم مجرد كفار ومنافقين والخصومة معهم هي خصومة دينية لا تنحصر في الحياة الدنيا فقط، بل تمتد إلى الحياة الأخرى، حيث سيكونون خصوما لهذه المليشيات وقياداتها عند الله، كما تنص على ذلك تغريدة الإعلامي الحوثي علي عبدالوهاب الذي سارع نشطاء ومغردون حوثيون إلى تأييد موقفه بالإشارة إلى أن الموقف في التعامل من أي خصم لهم يجب أن يكون نفس تعامل (الإمام علي مع منافقي النهروان) باعتبار ذلك هو المقياس الذي يؤمنون به وينتهجونه.

من التكفير الديني إلى الداعشية السياسية 

ولا يكاد يختلف الموقف السياسي للمليشيات الحوثية من الخصوم عن الموقف الديني الذي يكفر الآخر ويعتبره منافقا ومشركا وملحدا وخصما يجب قتاله وقتله، فهذا الموقف ينسحب بداعشيته على الموقف السياسي الذي تطلقه المليشيات الحوثية تجاه مختلف القضايا، وما موقفها من قضية وفاة الشيخ ياسر العواضي إلا دليل على هذا النهج الكارثي الذي تمتاز به الحوثية كحركة مذهبية ودينية وسياسية متعصبة ولا تختلف عن بقية الحركات الدينية المتطرفة سوى في كونها النموذج الشيعي للتطرف الديني الذي يميزه عن تطرف الحركات السنية أنه يؤمن بالعنصرية السلالية ويعتبرها مبررا لفرض مزاعمه حول السلطة والحكم.

في تغريدة للأمين العام للمكتب السياسي للمليشيات الحوثية فضل أبوطالب في تويتر عبر عن ابتهاجه بوفاة الشيخ ياسر العواضي من خلال الزعم بأن التحالف العربي خسر ما زعمه عميلا من عملائه، وهو موقف يعكس حقيقة التفكير السياسي الحوثي تجاه المختلفين أو المعارضين أو الخصوم السياسيين للمليشيات، فهي -أي الحوثية- لا ترى في الآخرين سوى مجرد كفار ومنافقين ومشركين وملحدين يجب قتالهم وقتلهم، أو مجرد عملاء ومرتزقة للخارج يجب أيضا قتالهم وقتلهم، حتى إنها تجاهد في نشر تلك التوصيفات لكل مخالفيها بمن فيهم الكثير من الذين يعيشون في مناطق سيطرتها ويعبرون بين الحين والآخر عن رفضهم لسياسات المليشيات.

ووصف مراقبون ومحللون موقف المليشيات الحوثية من قضية وفاة القيادي المؤتمري والشيخ القبلي البارز ياسر العواضي لنيوزيمن، بالقول: إنه انعكاس لفكر هذه المليشيات الذي يكفر الآخر بذات المنهج الداعشي في الإرهاب المذهبي والديني، وذات المنهج الخاص بحركات الإسلام السياسي التي تصدر موقفا سياسيا متطرفا من الخصوم ما يميزه هو كتلة من الحقد والكراهية لهم سواء خلال حياتهم أو حتى بعد مماتهم.

وأضافوا، إن هذا الموقف يؤكد استحالة التعايش مع هذه المليشيات لسبب بسيط هو أنه لا يمكنك أن تكون خصمها أو معارضا لها لأنك إذا انتهجت هذا الطريق فأنت محكوم عليك بالموت إما بفتوى دينية باعتبارك مشركا أو ملحدا أو منافقا، أو محكوم عليك بالقتل بفتوى سياسية باعتبارك عميلا ومرتزقا.

ويتابع المحللون: إن ثقافة الحقد التي يعبر عنها هؤلاء في مواقفهم تناقض وتفضح مزاعمهم حول التزامهم بتعاليم القرآن ومنهاج نبيه محمد، صلى الله عليه وسلم، الذين يزعمون انتسابهم له، فمن يتذكر موقف النبي محمد في فتح مكة حين قال لخصومه ومن آذوه وحاربوه وطردوه من منزله وبيته وقبيلته ومسقط رأسه مكة (اذهبوا فأنتم الطلقاء) سيعرف حتما أن هؤلاء لا علاقة لهم بمحمد النبي ولا بأخلاقه ولا بقيم دينه ولا بتعاليم كتاب الله القرآن.


ويختتم المراقبون بالقول، وإذا كان الموقف الديني للمليشيات الحوثية من خصومها مرده فكرها الأيديولوجي المذهبي المتعصب، فإن موقفها السياسي مرده تفكيرها الديني من ناحية، ومن ناحية أخرى سعيها لإخفاء عمالتها وتبعيتها لإيران ومذهبها الاثنى عشري دينيا، وفكرها الثوري سياسيا، وبالتالي التهرب من ذلك إلى اتهام الآخرين بما هو فيها.