الموساد والإمساك بالعمق الحوثي.. صنعاء مسرح الاستهداف المباشر للقيادات
السياسية - Saturday 30 August 2025 الساعة 05:02 pm
تُعيد الغارات الإسرائيلية الأخيرة على صنعاء رسم ملامح المواجهة مع ميليشيا الحوثي الإيرانية، ليس فقط من زاوية التصعيد العسكري، بل من باب الاختراق الأمني والاستخباري الذي مثّله استهداف قيادات بارزة داخل صنعاء. فبعد أن واجهت إسرائيل اتهامات واسعة بالعجز الاستخباري، جاءت عملية صنعاء لتعكس عودة قدراتها على جمع المعلومة الدقيقة، وتنفيذ عمليات نوعية في بيئات معقّدة جغرافيًا وأمنيًا.
هذا التحول يُقرأ في سياق أوسع من الصراع الإقليمي؛ إذ باتت صنعاء، مثل دمشق وطهران وبيروت، ساحة مفتوحة لاختبارات القوة الخفية بين أجهزة الاستخبارات. وبينما تحاول الجماعة التمسك بنفي استهداف قادتها، تروج وسائل الإعلام الإسرائيلية لما تصفه بـ"نجاح نوعي" يعكس تفوق الموساد والجيش في ميدان ظل مغلقًا أمامهم طويلًا.
ويُجمع مراقبون على أن دلالات العملية –إن صحت– تتجاوز الخسائر البشرية، إلى كونها مؤشرًا على تحول جديد في ميزان القوى، حيث باتت إسرائيل قادرة على ضرب قلب الدائرة القيادية للحوثيين، بما يحمله ذلك من انعكاسات على مسار الحرب في اليمن، وعلى معادلات الردع في الإقليم كله.
استهداف مباشر لاجتماع قيادات حوثية
أعلن الجيش الإسرائيلي، الجمعة، أن مقاتلاته نفذت ضربات جوية دقيقة على مبنى في صنعاء، كان يحتضن اجتماعًا لقيادات بارزة في ميليشيا الحوثي، من بينهم وزير الدفاع في حكومة الجماعة غير المعترف بها محمد ناصر العطافي، ورئيس الأركان محمد عبد الكريم الغماري. وأكد البيان العسكري أن العملية جاءت "استنادًا إلى معلومات استخباراتية نوعية جُمعت خلال فترة طويلة من الرصد والمتابعة"، مشيرًا إلى أن الهدف كان إحداث اختراق نوعي في البنية القيادية للجماعة.
وأضاف الجيش أن العملية جرى التخطيط لها بعناية فائقة، ونُفذت عبر سلسلة من الطلعات الجوية المركزة التي استهدفت بدقة موقع الاجتماع، لكنه أشار إلى أن التحقق من نتائج الضربة وما إذا كانت قد أوقعت قتلى بين القيادات المستهدفة ما يزال قيد المراجعة.
من جانبها، كشفت صحيفة يديعوت أحرنوت العبرية، أن الغارات الجوية الإسرائيلية استهدفت على وجه التحديد تصفية وزير الدفاع الحوثي العطافي ورئيس الأركان الغماري، معتبرة أن نجاح العملية –إذا تأكد– سيُعد "ضربة قاصمة" للجماعة التي كثّفت هجماتها ضد إسرائيل ومصالحها في البحر الأحمر خلال الأشهر الماضية. كما رأت الصحيفة أن هذه العملية تمثل تحولًا لافتًا في النهج الإسرائيلي تجاه الحوثيين، عبر الانتقال من ضرب مواقع إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، إلى محاولة تفكيك بنيتها القيادية عبر استهداف الصف الأول من القادة العسكريين.
أنباء عن سقوط قيادات حوثية بارزة
بالتوازي مع إعلان إسرائيل عن استهدافها اجتماعًا لقيادات حوثية في صنعاء، تداولت مصادر يمنية محلية تسريبات تفيد بمقتل شخصيات بارزة في الصف الأول من قيادة الجماعة. وأكدت هذه المصادر أن أحمد غالب الرهوي، الذي يشغل منصب رئيس ما يسمى حكومة الحوثيين غير المعترف بها دوليًا، كان من بين القتلى الذين سقطوا في الغارات الجوية، مشيرة إلى أن الضربة جاءت أثناء تواجده في موقع يُستخدم لعقد اجتماعات قيادية حساسة.
ولم يقتصر الأمر على الرهوي، إذ تحدثت التسريبات أيضًا عن مصرع عبدالسلام المنبهي، المرافق الشخصي لرئيس المجلس السياسي الأعلى للجماعة مهدي المشاط، ما اعتبرته بعض الأوساط ضربة مؤلمة لحلقة الحماية الخاصة بالمشاط ذاته. كما أُعلن عن مقتل صخر الشرجبي، مدير مكتب رئيس هيئة الأركان العامة لدى الحوثيين محمد الغماري، وهو ما يرفع من احتمالية إصابة الغماري نفسه في العملية، خاصة مع تضارب الأنباء حول مصيره.
وتقاطعت هذه المعلومات مع ما تناقلته وسائل إعلام عبرية، بينها قنوات إسرائيلية وصحف بارزة، والتي أشارت إلى أن الضربات الإسرائيلية ركزت على استهداف قيادات الصف الأول للجماعة، وفي مقدمتهم وزير الدفاع محمد العطافي ورئيس الأركان الغماري. وإذا ما صحت هذه التسريبات، فإن العملية ستُسجل كأقوى اختراق أمني ضد الحوثيين منذ سيطرتهم على صنعاء قبل أكثر من عقد.
ويرى مراقبون أن سقوط هذه الأسماء –إن تأكد رسميًا– يعني أن الجماعة فقدت في لحظة واحدة جزءًا مهمًا من بنيتها السياسية والعسكرية، وهو ما قد يربك تحركاتها في المدى القريب ويؤثر على وتيرة هجماتها ضد الملاحة في البحر الأحمر وضد إسرائيل.
تفوق استخباري يرسم المشهد
اعتبرت صحيفة "معاريف" العبرية أن الضربة الأخيرة على صنعاء تمثل علامة فارقة في ما وصفته بـ"عودة التفوق الاستخباري" لإسرائيل، بعد سلسلة من الإخفاقات الأمنية والعسكرية التي مُنيت بها منذ هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول. وأكدت الصحيفة أن العملية عكست قدرة غير مسبوقة على جمع المعلومات من عمق الأراضي اليمنية، في بيئة معقدة ومعادية، حيث لطالما افتقدت إسرائيل أي نفوذ استخباري مباشر هناك.
ووفق التقرير، فإن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية شرعت منذ شهور في بناء شبكة معلوماتية داخل اليمن، عبر استقطاب إسرائيليين من أصول يمنية يجيدون اللهجات المحلية ويملكون القدرة على التغلغل في المجتمعات القبلية، ما منح الموساد و"آمان" هامشًا أوضح لرصد تحركات قيادات حوثية رفيعة. هذه الاستراتيجية –بحسب الصحيفة– جاءت كرد فعل مباشر على اتساع نطاق هجمات الحوثيين ضد الملاحة الإسرائيلية والأمريكية في البحر الأحمر، وما شكله ذلك من تهديد مباشر للأمن القومي الإسرائيلي.
وأضافت الصحيفة أن سلاح الجو الإسرائيلي نفذ العملية بدقة عالية، إذ أسقطت المقاتلات الحربية عشر قنابل ضخمة، يزن كل منها طناً واحداً، على الموقع ذاته بفارق زمني قصير للغاية، في تكتيك عسكري يهدف إلى ضمان تدمير كامل للهدف ومنع أي فرصة لنجاة المستهدفين.
وتشير "معاريف" إلى أن نجاح هذه العملية –إذا ثبتت صحة المزاعم الإسرائيلية حول مقتل قيادات بارزة– سيحقق هدفين استراتيجيين في آن واحد: أولهما ردع الحوثيين وإيران عبر إيصال رسالة مفادها أن الذراع الإسرائيلية قادرة على الوصول حتى إلى أعمق معاقل الجماعة، وثانيهما تصفية بعض القيادات الحوثية العليا التي تقف خلف إدارة وتصعيد العمليات البحرية والصاروخية ضد إسرائيل منذ نحو عامين.
ويرى محللون أن هذا التطور –إن تأكد– سيعيد رسم ميزان القوى في المنطقة، إذ يضع الحوثيين أمام تحدٍ جديد يتمثل في مواجهة حرب استخباراتية مفتوحة قد تتجاوز حدود اليمن، ويكشف في الوقت نفسه أن إسرائيل لم تعد تكتفي بالردع البعيد أو الدفاع الجوي، بل باتت تسعى إلى الضرب المباشر في العمق.
إنجاز إسرائيلي
الخبير العسكري اللواء فايز الدويري قال إن "صحّت المعلومات عن استهداف قيادات بارزة في صنعاء، فإن الأمر يُعد اختراقًا أمنيًا بامتياز". وأضاف الدويري أن الهجوم الإسرائيلي يأتي في سياق الضربات المتبادلة مع الحوثيين، رغم تفاوت حجمها وأثرها.
وأشار الخبير إلى أن التحقق من صحة المزاعم يحتاج لأيام، لكنه لفت إلى أن توفر معلومة استخباراتية دقيقة حول مكان اجتماع قيادات بهذا المستوى "يُعتبر بحد ذاته إنجازًا"، كون هذه الشخصيات لا تتواجد عادة في صنعاء بشكل دائم.
كما استبعد الدويري أن تكون العملية مشابهة للضربات الأميركية والبريطانية السابقة، التي فشلت في تحييد الحوثيين. موضحًا أن "الطبيعة الجغرافية الوعرة، ووجود القيادات الحوثية في مناطق مثل جبل مران بصعدة، تجعل استهدافهم بالغ الصعوبة".
ورغم الترويج الإسرائيلي للعملية بوصفها نجاحًا استخباريًا، خرجت جماعة الحوثي سريعًا لتنفي مقتل أي من قياداتها، ووصفت الأنباء بأنها "حرب نفسية وإعلامية". إلا أن المراقبين رأوا أن مجرد وصول الصواريخ الإسرائيلية إلى أهداف بهذا المستوى الأمني في صنعاء، يحمل دلالة واضحة على اختراق غير مسبوق لشبكات الجماعة.
وتوكد التحليلات العسكرية والسياسية أن الأيام المقبلة ستكشف حجم العملية ومدى نجاحها، لكن المؤكد أن المواجهة بين إسرائيل والحوثيين دخلت مرحلة جديدة أكثر حساسية، قد تفتح الباب أمام تصعيد إقليمي متبادل، تتداخل فيه الأبعاد الاستخبارية مع العسكرية بشكل لافت.