تصعيد مؤجل أم تنسيق خفي.. القاعدة في اليمن بين التهدئة وإعادة التموضع

السياسية - منذ ساعة و 20 دقيقة
عدن، نيوزيمن، خاص:

تشير معطيات أمنية وتحليلية متقاطعة إلى أن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب لا يميل، في المرحلة الراهنة على الأقل، إلى تصعيد عسكري واسع النطاق في اليمن، رغم استمرار وجوده وتحركاته المحدودة في عدد من المحافظات الجنوبية والشرقية. ويُفهم هذا الانحسار النسبي في النشاط بوصفه تهدئة تكتيكية مؤقتة، تهدف إلى إعادة ترتيب البنية التنظيمية وتفادي استنزاف إضافي، خاصة في ظل الضغوط الميدانية المتزايدة والغارات الجوية الأمريكية الدقيقة.

غير أن هذا التوجه بدا متناقضًا عقب التطورات العسكرية الأخيرة وتغير انتشار القوات وإحلال قوات أخرى قادمة من مناطق إخوانية. في مطلع ديسمبر 2025 وعقب تطهير وتأمين القوات الجنوبية مناطق وادي وصحراء حضرموت والمهرة وشبوة ضمن عملية "المستقبل الواعد، وما أعقبها من تفكيك بؤر إرهابية وإنهاء وجود عناصر وقوات عسكرية إخوانية كانت تتمركز هناك، ظهرت التسجيلات والوعيد من قبل قيادات القاعدة تتوعد بالانتقام من القوات الجنوبية وتنفيذ عمليات استهداف صريحة ردًا على العمليات العسكرية الجنوبيةالتي أنهت سنوات من الجرائم الإرهابية وتهريب الأسلحة والمخدرات إلى ميليشيا الحوثي في الجهة الشرقية للبلد.

النجاحات التي حققتها القوات في حضرموت والمهرة وشبوة وما ألحقها من إطلاق عملية "الحسم" التي شرعت في تطهير وتأمين مناطق وبؤر إرهابية في محافظة أبين، قابله التنظيم بالتصعيد وشن حملات التحريض والتهديد، ولعل أبرزها تصريح القيادي المعروف بـأبي البراء الصنعاني، الذي نشر تسجيلات صوتية توعد فيها باستهداف القوات الجنوبية وتنفيذ عمليات انتقامية، في مشهد أعاد تسليط الضوء على طبيعة الارتباط والتنسيق السياسي بين التنظيم الإرهابي وجماعة الإخوان.

وعلى الرغم من الطابع التهديدي لتلك التصريحات، نفذ التنظيم هجمات إنتقامية، كان أبرزها هجومين متزامنين مطلع يناير استهدفا قوات أمنية وعسكرية في محافظتي أبين وشبوة، وأسفرا عن مقتل أربعة جنود وإصابة أحد عشر آخرين، بينهم ضابط، وهي هجمات يرى محللون أنها تندرج ضمن محاولات إثبات الوجود والرد الرمزي، أكثر من كونها مؤشرًا على تحول استراتيجي نحو تصعيد شامل.

تهدئة محسوبة

وفقًا لمراقبون أن وتيرة هذا التصعيد الإرهابي تراجعت بشكل لافت خلال الفترة الأخيرة وتحديدًا بعد التطورات والأحداث وما تعرضت له القوات الجنوبية بالتزامن مع دخول قوات عسكرية قادمة من مناطق خاضعة لسيطرة قوى إخوانية في مأرب وهو تطور أثار الكثير من علامات الاستفهام خاصة مع توقف العمليات الإرهابية بشكل مفاجئ.

ويرى محللون أن هذا التزامن لا يمكن فصله عن طبيعة الترتيبات الأمنية والسياسية غير المعلنة في تلك المناطق، خصوصًا في ظل سجل سابق من التداخلات المعقدة بين بعض القوى المحلية والتنظيمات المتطرفة. ويذهب هؤلاء إلى أن هذا الانخفاض المفاجئ في نشاط القاعدة يعزز الشكوك حول وجود تفاهمات ظرفية أو أدوار متقاطعة، وإن ظلت غير معلنة، ما يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول مسار المواجهة مع التنظيم، وما إذا كانت تخضع لحسابات سياسية أكثر من كونها استراتيجية أمنية واضحة.

الناشط والباحث في شؤون الجماعات المتطرفة محمد بن فيصل قال إن المعطيات الحالية تؤكد أن التصعيد العسكري لا يخدم حسابات تنظيم القاعدة في هذه المرحلة، مرجحًا أن التنظيم يميل إلى تجميد نشاطه القتالي مؤقتًا، لتفادي الدخول في مواجهات مفتوحة قد تؤدي إلى خسائر فادحة في صفوفه.

وأوضح بن فيصل أن التنظيم يسعى، من خلال هذا التجميد، إلى تحميل دولة الإمارات والمجلس الانتقالي الجنوبي مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع الأمنية والعسكرية في محافظتي أبين وشبوة خلال الأعوام الخمسة الماضية، مستثمرًا حالة الاستنزاف والانقسام المحلي دون الانخراط المباشر في الصراع.

إعادة ترتيب 

بالتوازي مع التهدئة، يعمل تنظيم القاعدة، وفق بن فيصل، على إعادة ترتيب بنيته التنظيمية وإعادة الانتشار في مناطق تقليدية لنشاطه، خصوصًا في أبين وشبوة، مستفيدًا من الطبيعة الجغرافية المعقدة، وتراجع القبضة الأمنية في بعض المناطق.

وأضاف أن التنظيم كثّف جهوده لإعادة تنشيط خلاياه في حضرموت والمهرة، في إطار استراتيجية تعتمد على المرونة التنظيمية وتفكيك المركزية، بما يسمح له بالحفاظ على حضور غير مكشوف، وتقليل الخسائر الناتجة عن الاستهدافات الجوية.

وتشير تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة إلى أن القاعدة في اليمن تعتمد منذ سنوات على نموذج الخلايا الصغيرة اللامركزية، كوسيلة للتكيف مع الضربات الأمنية والعسكرية المتكررة .

من أبرز التحولات في سلوك التنظيم، بحسب محمد بن فيصل، سعيه إلى تحييد الفاعلين المحليين وتجنب الصدامات الداخلية، سواء مع القوات المحلية أو مع أطراف مسلحة أخرى، مقابل إعادة توجيه الجهد العملياتي والخطاب الدعائي نحو ما يُعرف بـ"العدو البعيد".

وأوضح أن هذا التوجه يستهدف المصالح الأمريكية وحلفاءها، في محاولة لإعادة تثبيت موقع التنظيم ضمن الخريطة الجهادية العالمية، إلا أن هذا المسار يحمل مخاطر مضاعفة، إذ قد يؤدي إلى استدعاء تدخلات دولية أشد قسوة، ويعيد اليمن إلى دائرة المواجهة الدولية المباشرة مع التنظيم.

وتحذر مراكز أبحاث دولية من أن توقف المواجهة المحلية مع التنظيم قد يمنحه هامشًا أوسع لإعادة التخطيط والتوسع، خاصة في البيئات الهشة أمنيًا .

الغارات الأمريكية

وخلال الفترة الأخيرة، كثفت الولايات المتحدة من غاراتها الجوية ضد تنظيم القاعدة في اليمن، مستهدفة قيادات وعناصر ميدانية بارزة خاصة في محافظة مأرب المعقل الرئيس لتنظيم الإخوان المسلمين في اليمن. ويصف بن فيصل هذه الغارات بأنها قاسية ودقيقة، وأسهمت في إرباك القيادة العليا للتنظيم وتقليص قدرته على تنفيذ عمليات كبيرة.

غير أنه شدد على أن الضربات الجوية، رغم أهميتها، لا تمثل حلًا كافيًا بمفردها، مؤكدًا أن المواجهة الميدانية المباشرة والحد من انتشار الخلايا تظل ضرورة لا غنى عنها، في ظل استمرار عوامل تمدد التنظيم، وعلى رأسها الفراغ الأمني والانقسامات المحلية.

وتؤكد تقارير أمريكية رسمية أن العمليات الجوية تحقق نجاحًا تكتيكيًا، لكنها لا تعالج جذور التهديد على المدى الطويل دون شراكة ميدانية فعالة.

في ضوء هذه المعطيات، يظل السؤال المركزي مطروحًا: هل تتم مواجهة تنظيم القاعدة ميدانيًا بشكل حاسم، أم يُترك في حالة مهادنة غير معلنة؟ ويرى محللون أن ترك التنظيم يعيد تموضعه دون ضغط ميداني منظم، قد يمنحه فرصة لإعادة إنتاج نفسه واستعادة زمام المبادرة، في حين أن المواجهة الشاملة تتطلب تنسيقًا سياسيًا وأمنيًا معقدًا، وقدرات محلية قادرة على ملء الفراغ بعد أي عمليات عسكرية.

الهدوء النسبي في نشاط تنظيم القاعدة في اليمن لا يعكس تراجعًا استراتيجيًا بقدر ما يشير إلى مرحلة انتقالية محسوبة، يحاول خلالها التنظيم التقاط أنفاسه وإعادة ترتيب صفوفه. وبين الغارات الجوية الأمريكية، والانقسامات المحلية، وغياب استراتيجية شاملة للمواجهة، يبقى خطر التنظيم قائمًا، وإن تراجع حضوره العلني مؤقتًا، ما لم تُعالج جذور تمدده أمنيًا وسياسيًا وتنمويًا.