الإمارات تؤكد تآكل الثقة بإيران وتدعو لمعادلة ردع جديدة
السياسية - منذ ساعة و 6 دقائق
أبوظبي، نيوزيمن:
قدم المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، أنور قرقاش، رؤية موسعة لمستقبل الشرق الأوسط والتحولات المتوقعة في بنية الأمن الإقليمي، مؤكداً أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة تقوم على إعادة التوازن والردع، بعد أن أثبتت التطورات الأخيرة محدودية سياسات الاحتواء والانفتاح في التعامل مع إيران.
وجاءت تصريحات قرقاش خلال مقابلة مع رئيس المجلس الأطلسي فريدريك كيمبي، على هامش المنتدى الأوروبي الخليجي في اليونان، في سياق إقليمي يشهد تصاعداً غير مسبوق في التوترات الأمنية عقب الهجمات الإيرانية المباشرة التي استهدفت دولاً خليجية ومنشآت حيوية للطاقة والملاحة.
واعتبر قرقاش أن تلك الهجمات شكلت نقطة تحول استراتيجية في المنطقة، لأنها أنهت عملياً الرهان على فكرة أن الانفتاح الاقتصادي وتوسيع العلاقات التجارية مع إيران يمكن أن يحدا من احتمالات التصعيد العسكري أو يوفرا ضمانات للاستقرار.
وأوضح أن دول الخليج اعتمدت خلال السنوات الماضية على مقاربة تقوم على بناء شبكة مصالح اقتصادية وقنوات تواصل دبلوماسية مع طهران، انطلاقاً من فرضية أن الترابط الاقتصادي قد يسهم في خفض التوترات، إلا أن التطورات الأخيرة أظهرت، بحسب تعبيره، أن هذه الفرضية لم تعد كافية لإدارة التهديدات المتصاعدة.
وأشار إلى أن المنطقة باتت بحاجة إلى مقاربة مختلفة تقوم على الردع وإعادة ضبط ميزان القوى، مؤكداً أن استهداف البنية التحتية للطاقة والملاحة المدنية لم يعد حادثاً عابراً، بل أصبح جزءاً من طبيعة الصراع الإقليمي الجديد.
وفي هذا السياق، ميّز قرقاش بين مفهوم “العلاقات” و“الثقة” في التعامل مع إيران، موضحاً أن العلاقات الدبلوماسية قد تستمر أو تُستأنف وفق متطلبات السياسة، لكن عنصر الثقة تعرض لتآكل عميق يصعب ترميمه في المستقبل القريب.
وأضاف أن التجارب الخليجية السابقة، بما فيها المبادرات الاقتصادية ومحاولات الوساطة، لم تنجح في بناء ضمانات حقيقية تمنع التصعيد أو تحمي دول المنطقة من التهديدات المباشرة، الأمر الذي يستدعي إعادة تقييم شاملة لسياسات الانفتاح السابقة.
وأكد قرقاش أن الدور الأميركي عاد ليصبح أكثر مركزية في معادلة الأمن الإقليمي، خلافاً لبعض التقديرات التي تحدثت في السنوات الأخيرة عن تراجع الحضور الأميركي في الشرق الأوسط.
وأوضح أن طبيعة التهديدات الجديدة، خصوصاً تلك المرتبطة بأمن الطاقة والممرات البحرية، تتجاوز قدرات الدول الإقليمية منفردة، ما يعزز الحاجة إلى شراكات أمنية دولية، في مقدمتها الولايات المتحدة، لتوفير مظلة ردع فعالة ومنع أي تصعيد إضافي.
وأشار إلى أن هذا لا يعني بالضرورة تطابقاً كاملاً بين أولويات واشنطن ودول الخليج، لكنه يعكس حقيقة أن الولايات المتحدة لا تزال الطرف الأكثر قدرة على لعب دور الضامن للاستقرار الإقليمي في مواجهة التهديدات العابرة للحدود.
وفي ما يتعلق بأمن الملاحة البحرية، شدد قرقاش على أن مضيق هرمز يمثل شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي، وأن أي تهديد لحرية الملاحة فيه لا ينعكس على دول الخليج فقط، بل يمتد تأثيره إلى التجارة الدولية وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
ورأى أن استقرار المضيق يجب أن يُنظر إليه باعتباره مسؤولية دولية مشتركة، وليس مجرد قضية إقليمية، في ظل اعتماد الاقتصاد العالمي على تدفق آمن ومستقر للطاقة عبر الممرات البحرية في الخليج.
وعلى المستوى الخليجي، أبدى قرقاش ملاحظات نقدية تجاه أداء مجلس التعاون الخليجي خلال الأزمة الأخيرة، معتبراً أن الاستجابة الخليجية لم ترتقِ إلى مستوى “الاختبار التاريخي” الذي فرضته التطورات الإقليمية.
واستحضر في هذا الإطار تجارب سابقة مثل غزو الكويت وأحداث الربيع العربي، حين أظهر المجلس مستوى أعلى من التنسيق الجماعي، مقارنة بما وصفه بالاستجابة المحدودة والمجزأة خلال المرحلة الحالية، رغم وجود تعاون ثنائي بين بعض الدول الخليجية في مجالات الدعم اللوجستي والتنسيق الأمني.
ودعا إلى تطوير مفهوم التعاون الخليجي نحو مستوى أعلى من التكامل الدفاعي، يقوم على بناء إطار جماعي يعزز قدرات الردع والاستجابة للأزمات، دون أن يعني ذلك المساس بالسيادة الوطنية أو إلغاء دور الجيوش الوطنية.
كما ربط قرقاش بين التحولات الأمنية في المنطقة وأهمية اتفاقيات أبراهام، معتبراً أن هذه الاتفاقيات تمثل خياراً سيادياً واستراتيجياً للإمارات، خاصة في ظل تصاعد التهديدات الإقليمية وتغير موازين القوى.
وأشار إلى أن العلاقة مع إسرائيل باتت تحمل أبعاداً أمنية وتكنولوجية واقتصادية متزايدة الأهمية، دون أن يلغي ذلك الموقف الإماراتي الداعم للقضية الفلسطينية، مؤكداً استمرار الدعم الإنساني لغزة عبر مشاريع الإغاثة والبنية التحتية.
وفي ما يتعلق بالعلاقات الدولية، دعا قرقاش إلى تعزيز التعاون بين أوروبا ودول الخليج، معتبراً أن العلاقات الحالية لا تزال دون مستوى الإمكانات المتاحة، رغم وجود مصالح مشتركة واسعة في مجالات الطاقة والتجارة والأمن البحري والتكنولوجيا.
وأوضح أن التحولات نحو نظام دولي متعدد الأقطاب تفتح المجال لإعادة صياغة الشراكات الخليجية الأوروبية على أسس أكثر توازناً وفاعلية، خاصة في ظل التحديات المشتركة المتعلقة بأمن الطاقة واستقرار طرق التجارة العالمية.
ويرى مراقبون أن الرؤية التي طرحها قرقاش تعكس توجهاً إماراتياً نحو إعادة تعريف مفهوم الأمن الإقليمي، عبر الانتقال من سياسات الاحتواء التقليدية إلى بناء منظومة ردع متعددة الأبعاد، تشمل الشراكات الدفاعية والتحالفات الدولية والتكامل الاقتصادي والأمني.
كما تعكس هذه الرؤية إدراكاً متزايداً داخل دوائر صنع القرار الخليجية بأن الشرق الأوسط مقبل على مرحلة إعادة تشكيل عميقة، تتداخل فيها التهديدات الإقليمية مع التحولات الدولية، ما يفرض مراجعة شاملة للأدوات التقليدية المستخدمة في إدارة الصراع وتحقيق الاستقرار.
>
