تعليق الرحلات يعزل سقطرى.. والبحر خيار محفوف بالموت

السياسية - منذ 52 دقيقة
سقطرى، نيوزيمن، خاص:

في مشهد يلخص حجم المعاناة التي يعيشها أبناء أرخبيل سقطرى، اضطر نحو 200 شخص، بينهم مرضى وطلاب وأصحاب احتياجات إنسانية ملحة، إلى ركوب "سنبوق" متهالك والإبحار نحو البر اليمني في ظروف بحرية خطرة مع بداية موسم الرياح الموسمية وارتفاع الأمواج، بعد أن أغلقت أمامهم السماء وتوقفت الرحلات الجوية التي تمثل شريان الحياة الوحيد للجزيرة.

لم يكن هؤلاء المسافرون يبحثون عن رحلة بحرية أو مغامرة استثنائية، بل كانوا يحاولون الوصول إلى جامعاتهم ومستشفياتهم وأعمالهم بعد أن وجدوا أنفسهم محاصرين بين بحر هائج وطيران متوقف، في صورة تعكس بوضوح حجم الأزمة المتفاقمة التي تعيشها سقطرى نتيجة تعليق الرحلات الجوية الداخلية من وإلى الأرخبيل.

ويقول سكان محليون إن ما حدث ليس مجرد أزمة نقل عابرة، بل تجسيد لسنوات من الإهمال وغياب المعالجات الجذرية لواحدة من أكثر المحافظات عزلة في اليمن، حيث لا تزال الخدمات الأساسية مرتبطة بشكل شبه كامل بانتظام الرحلات الجوية.

قرار يعزل الجزيرة في أخطر توقيت

وجاء قرار الخطوط الجوية اليمنية تعليق رحلاتها إلى سقطرى بحجة عدم توفر الوقود في توقيت وصفه أبناء الجزيرة بأنه الأسوأ على الإطلاق، إذ يتزامن مع بدء موسم الرياح الموسمية الذي يشهد عادة اضطراباً واسعاً في الملاحة البحرية، وصولاً إلى توقفها بشكل شبه كامل خلال أشهر الخريف.

وبالنسبة لسكان الأرخبيل، فإن الرحلات الجوية ليست خدمة كمالية يمكن الاستغناء عنها، بل وسيلة البقاء الوحيدة التي تربطهم ببقية المحافظات اليمنية. ففي الوقت الذي تمتلك فيه معظم المحافظات منافذ برية متعددة وخيارات نقل متنوعة، تعتمد سقطرى بشكل شبه كامل على رحلتين جويتين أسبوعياً فقط، واحدة عبر مطار الريان في حضرموت وأخرى عبر مطار الغيضة في المهرة.

ويرى المواطن السقطري أن تعليق هذا العدد المحدود أصلاً من الرحلات يعادل عملياً فرض عزلة كاملة على عشرات الآلاف من السكان، خصوصاً مع تعذر الاعتماد على البحر كخيار آمن خلال هذه الفترة من العام.

وتبرز التداعيات الإنسانية للأزمة بشكل أكبر لدى المرضى والطلاب الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع صعب. فالعشرات من المرضى يعتمدون على السفر الدوري إلى عدن والمكلا لتلقي العلاج أو إجراء العمليات الجراحية والفحوصات التخصصية غير المتوفرة داخل الجزيرة، فيما يواجه طلاب الجامعات خطر التغيب عن الامتحانات أو خسارة فصول دراسية كاملة نتيجة عدم قدرتهم على مغادرة الأرخبيل.

حيث جاء القرار بعد انتهاء إجازة عيد الأضحى، وهي الفترة التي يعود فيها آلاف الطلاب إلى مقاعد الدراسة في جامعات عدن وحضرموت وغيرها من المحافظات، فضلاً عن الطلاب الدارسين في الخارج الذين يواجهون مخاطر فقدان ارتباطاتهم الأكاديمية أو التأخر عن مواعيد سفرهم الدولية. كما تمتد الأزمة إلى المغتربين والمجنسين المقيمين في دول الخليج، الذين بات بعضهم مهدداً بانتهاء إقاماتهم أو فقدان وظائفهم نتيجة عدم قدرتهم على مغادرة الجزيرة في الوقت المحدد.

ومع إغلاق المنفذ الجوي، لم يجد كثير من السكان بديلاً سوى اللجوء إلى قوارب صيد أو نقل بضائع صغيرة غير مجهزة لنقل الركاب، وتفتقر إلى الحد الأدنى من شروط السلامة البحرية. ويؤكد أبناء الجزيرة أن هذه الوسائل مخصصة أصلاً لنقل الأسماك والبضائع وليس البشر، إلا أن الحاجة دفعت المئات إلى استخدامها رغم المخاطر الكبيرة المرتبطة بارتفاع الأمواج والرياح الموسمية.

ويقول الناشط صالح جميل السقطري بالقول: أي واقع أقسى من أن يضطر مريض أو طفل أو امرأة أو مسن في سقطرى إلى المخاطرة بحياته في عرض البحر داخل قارب غير مخصص للركاب، بعد أن أُغلقت أمامه خيارات السفر الآمن؟ معاناة تتكرر كل يوم ونداءات لا تجد آذانًا صاغية فيما يدفع أبناء الأرخبيل وحدهم ثمن هذا الإهمال المؤلم.

ويرى ناشطون أن إجبار المواطنين على الاختيار بين البقاء في عزلة أو المجازفة بحياتهم في البحر يمثل فشلاً واضحاً في إدارة ملف النقل، ويطرح تساؤلات حول غياب الخطط الطارئة للتعامل مع الأزمات المتكررة التي تواجه الأرخبيل كل عام.

أزمة متكررة وأعذار متجددة

ورغم أن الخطوط الجوية اليمنية بررت قرارها بعدم توفر الوقود، إلا أن أبناء سقطرى يؤكدون أن المشكلة أعمق من ذلك بكثير. فالأزمة، بحسب تعبيرهم، تتكرر بصورة شبه دائمة، بينما تتغير المبررات من مرة إلى أخرى بين نقص الوقود والأعطال الفنية والمشكلات التشغيلية، دون أن تُطرح حلول مستدامة تضمن انتظام الرحلات أو تحمي السكان من الدخول في دوامة العزلة كل عدة أشهر.

ويقول ناشطون إن سكان الجزيرة اعتادوا على تحمل ارتفاع أسعار التذاكر التي تصل إلى نحو 400 دولار ذهاباً وإياباً، رغم أن الرحلة تتم بين محافظتين داخل البلد نفسه، إضافة إلى تحملهم التأجيلات المتكررة وسوء الخدمات ومحدودية الرحلات، إلا أن إلغاء الرحلات بالكامل تجاوز حدود المعاناة المعتادة إلى مستوى تهديد حياة المواطنين ومصالحهم الأساسية.

ولا تقتصر الأزمة على الموجودين داخل سقطرى، بل تمتد إلى عشرات المسافرين العالقين في مطارات الريان والغيضة والمكلا. فهؤلاء وجدوا أنفسهم أمام تكاليف إضافية للإقامة والمواصلات والغذاء بعد تعليق الرحلات بشكل مفاجئ، دون توفير بدائل أو حلول عاجلة تخفف من الأعباء المالية التي يتحملونها. ويؤكد متضررون أن كثيراً من المسافرين كانوا قد حجزوا تذاكرهم قبل أسابيع وربما أشهر بسبب محدودية المقاعد، قبل أن يفاجأوا بإغلاق الحجوزات وإيقاف الرحلات دون سابق إنذار.

ويرى مراقبون أن ما تواجهه سقطرى اليوم يشبه حالة "حصار غير معلن"، حيث أصبح سكان الجزيرة محاصرين بين بحر مغلق وسماء متوقفة، في وقت تتزايد فيه احتياجاتهم للسفر والعلاج والتعليم والعمل. ويؤكد أبناء الأرخبيل أن المحافظة تحتاج إلى زيادة عدد الرحلات الجوية وتحسين انتظامها، لا إلى تعليقها، خصوصاً أنها منطقة جغرافية استثنائية لا تمتلك أي بدائل حقيقية للنقل.

ويحمل السكان وزارة النقل وإدارة الخطوط الجوية اليمنية والجهات الحكومية المعنية مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، مطالبين بتدخل عاجل من مجلس القيادة الرئاسي والحكومة لإعادة تشغيل الرحلات بشكل فوري وتأمين احتياجات الوقود ووضع حلول دائمة تمنع تكرار الأزمة.

فبالنسبة لسكان سقطرى، لم يعد تشغيل الرحلات الجوية مطلباً خدمياً أو تجارياً، بل قضية إنسانية تمس الحق في العلاج والتعليم والتنقل والحياة نفسها، في جزيرة بات أبناؤها يشعرون بأنهم معزولون عن وطنهم كلما توقفت طائرة عن الإقلاع أو الهبوط على مدرج مطارها الوحيد.