من حق مجاني إلى تجارة رابحة.. الحوثيون يحولون الكتاب المدرسي إلى مشروع استثماري
السياسية - منذ ساعة و 20 دقيقة
صنعاء، نيوزيمن، خاص:
في الوقت الذي تكافح فيه ملايين الأسر اليمنية لتوفير أبسط متطلبات الحياة، تواصل مليشيا الحوثي فرض أعباء جديدة على قطاع التعليم، عبر تحويل الكتاب المدرسي من حق مجاني تكفله الدولة إلى سلعة تجارية تدر مئات الملايين من الريالات لصالح شبكة من القيادات والمشرفين المتحكمين بقطاع التعليم ومطابع الكتاب المدرسي في مناطق سيطرتها.
ومع اقتراب العام الدراسي 2026 ـ 2027، أصدرت سلطات التعليم التابعة للحوثيين قائمة أسعار جديدة للمناهج الدراسية الحكومية، تضمنت فرض مبالغ تتراوح بين 6300 و9200 ريال على الطالب الواحد بحسب المرحلة الدراسية، في خطوة أثارت موجة استياء واسعة بين أولياء الأمور والتربويين الذين اعتبروها استغلالاً إضافياً لمعاناة المواطنين في ظل الانهيار الاقتصادي المستمر.
ولم تقتصر الإجراءات الجديدة على فرض رسوم على الكتب التي كانت توزع مجاناً لعقود، بل ألزمت المدارس الأهلية بالحصول على المناهج حصرياً عبر المؤسسة العامة لمطابع الكتاب المدرسي الخاضعة لسيطرة الجماعة، مانعة أي مصادر بديلة للتوريد، الأمر الذي عزز من احتكار الجماعة لسوق الكتاب المدرسي وحول العملية التعليمية إلى نشاط تجاري مغلق تسيطر عليه جهات محددة.
مطابع حكومية تتحول إلى مشروع استثماري
وبحسب مصادر في وزارة التربية والتعليم بصنعاء، فإن المؤسسة العامة لمطابع الكتاب المدرسي تحولت خلال السنوات الأخيرة من مؤسسة خدمية مهمتها توفير المناهج للطلاب إلى وحدة إنتاجية واستثمارية تدر أكثر من 150 مليون ريال من طباعة كتب المدارس الأهلية والخاصة.
وأكدت المصادر أن عمليات الطباعة والتوريد تتم عبر شبكة من المتعهدين وتجار الورق المرتبطين بمشرفين نافذين في القطاع التربوي، ما حول واحدة من أهم المؤسسات التعليمية الحكومية إلى مصدر دخل مالي يخدم مصالح فئة محددة، بدلاً من توجيه موارده لخدمة العملية التعليمية أو صرف مرتبات المعلمين المنقطعة منذ سنوات.
وكشف عاملون في المطابع عن ممارسات أخرى أكثر إثارة للجدل، من بينها نقل مصفوفات الطباعة الأصلية الخاصة بالمناهج الحكومية إلى مطابع خاصة، حيث يتم إنتاج كميات إضافية من الكتب وبيعها لاحقاً في الأسواق الموازية وعلى الأرصفة، بعيداً عن أي رقابة أو ضوابط رسمية.
ويرى تربويون أن هذه الممارسات تفسر المشهد المتكرر كل عام، حيث تتكدس الكتب المدرسية الجديدة في الأرصفة والأسواق الشعبية، بينما يعجز آلاف الطلاب في المدارس الحكومية عن الحصول على مناهجهم الدراسية داخل الفصول.
كتب على الأرصفة وطلاب بلا مناهج
وأثارت مشاهد بيع الكتب المدرسية الحكومية في الشوارع موجة انتقادات واسعة خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً مع استمرار الشكاوى من نقص المناهج في المدارس الحكومية.
وفي هذا السياق، سخر الأكاديمي إبراهيم الكبسي من المشهد الذي يتكرر مع بداية كل عام دراسي، قائلاً إن وزارة التربية التابعة للحوثيين تحولت عملياً إلى "بائع كتب على الرصيف"، في وقت تغيب فيه المناهج عن المدارس الحكومية.
وأشار إلى أن الكتب تتوفر بسهولة في المدارس الأهلية والخاصة والمراكز الصيفية التابعة للجماعة منذ اليوم الأول، بينما يضطر طلاب المدارس الحكومية إلى البحث عنها في الأسواق أو شرائها بأسعار تفوق قدرة الكثير من الأسر.
واعتبر الكبسي أن المفارقة تكمن في أن الجماعة أجرت تعديلات واسعة على المناهج بما يتوافق مع توجهاتها الفكرية، لكنها فشلت أو لم ترغب في توفير تلك المناهج للطلاب داخل مدارسهم الحكومية.
من جانبه، انتقد القاضي عرفات جعفر بيع الطبعات الحديثة من الكتب المدرسية على الأرصفة، معتبراً أن ذلك يعكس عجز السلطات التعليمية عن توفير أبسط مستلزمات التعليم.
وقال إن الكتب تصل إلى الأسواق والبسطات التجارية قبل أن تصل إلى الطلاب، مضيفاً أن المشهد يوحي وكأن المناهج طُبعت بغرض المتاجرة بها وليس لتوزيعها على المدارس.
حرمان المعلمين وإثقال كاهل الأسر
ويرى مراقبون أن أخطر ما في هذه السياسات لا يتمثل فقط في فرض رسوم جديدة على التعليم، بل في الطريقة التي يتم بها توظيف عائدات الكتاب المدرسي.
ففي الوقت الذي تحقق فيه مطابع الكتاب المدرسي إيرادات بمئات الملايين من الريالات سنوياً، لا يزال عشرات الآلاف من المعلمين في مناطق سيطرة الحوثيين محرومين من مرتباتهم منذ سنوات، الأمر الذي تسبب في تدهور العملية التعليمية وهجرة أعداد كبيرة من الكوادر التربوية.
كما تأتي هذه الإجراءات في ظل أوضاع معيشية متدهورة تعيشها الأسر اليمنية، حيث أصبح توفير الزي المدرسي والحقائب والقرطاسية يمثل تحدياً كبيراً للكثير من العائلات، لتضاف إليها اليوم كلفة شراء الكتب الدراسية التي كانت في السابق جزءاً من الخدمات التعليمية المجانية التي تقدمها الدولة.
ويحذر تربويون من أن استمرار تحويل التعليم إلى مصدر جباية واستثمار سيؤدي إلى اتساع الفجوة التعليمية وارتفاع معدلات التسرب من المدارس، خصوصاً بين الأسر الأشد فقراً، فضلاً عن تكريس التمييز بين التعليم الحكومي والخاص.
ومع كل عام دراسي جديد، يتكرر المشهد ذاته في مناطق سيطرة الحوثيين؛ كتب مدرسية معروضة للبيع على الأرصفة، ومدارس حكومية تعاني نقصاً حاداً في المناهج، وأسر مثقلة بالأعباء، فيما تواصل الجهات المسيطرة على قطاع التعليم استثمار حق الطلاب في التعلم كمورد مالي يدر أرباحاً بمئات الملايين، بعيداً عن أي انعكاس حقيقي على واقع المدارس أو أوضاع المعلمين.

>
