قرار منع سفر المسؤولين.. هالة إعلامية تتجدد لامتصاص غضب الشارع
السياسية - منذ ساعة و 28 دقيقة
عدن، نيوزيمن، تقرير خاص:
أعاد القرار الأخير الصادر عن رئيس الوزراء ووزير الخارجية وشؤون المغتربين، الدكتور شائع محسن الزنداني، والقاضي بمنع سفر الوزراء ونوابهم ووكلاء الوزارات إلى خارج البلاد إلا بإذن خطي مسبق، فتح واحدة من أكثر القضايا حساسية في المشهد اليمني الراهن، في وقت تتصاعد فيه أزمات المعيشة والخدمات والانهيار الاقتصادي في المحافظات المحررة، بما يجعل أي قرار حكومي عرضة لقراءة شعبية مشحونة بالشك أكثر من التفاؤل.
وبينما قُدِّم القرار في سياق رسمي باعتباره خطوة لضبط الأداء المؤسسي وترشيد الإنفاق العام، فإن موجة واسعة من الجدل رافقته منذ لحظة صدوره، حيث تراوحت ردود الفعل بين ترحيب حذر من حيث المبدأ، وسخرية صريحة في الشارع وعلى منصات التواصل الاجتماعي، شككت في جدية تنفيذه وإمكانية تحوله إلى ممارسة فعلية على الأرض.
وبحسب التعميم الحكومي، فقد وُجّهت المنافذ البرية والبحرية والجوية بالالتزام الصارم بعدم السماح بسفر أي مسؤول إلا بموافقة خطية مسبقة، في خطوة يفترض أنها تستهدف ضبط حركة الإنفاق الرسمي، في وقت تعاني فيه مؤسسات الدولة من اختلالات مالية حادة وتراجع كبير في القدرة على تقديم الخدمات الأساسية.
غير أن هذا القرار، وفق قراءات واسعة في الشارع، لم يُنظر إليه بوصفه تحولاً إدارياً بقدر ما اعتُبر "رسالة سياسية وإعلامية" موجهة لاحتواء حالة الغضب الشعبي المتصاعد، في ظل واقع معيشي بالغ الصعوبة، تتصدره أزمات الكهرباء وتوقف أو تأخر المرتبات وارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين.
وفي هذا السياق، برزت انتقادات لافتة ركزت على أن أحد أبرز أوجه استنزاف المال العام يتمثل في استمرار سفريات المسؤولين إلى الخارج، في كثير من الحالات دون ارتباط واضح بمهام رسمية ضرورية، وهو ما يثير تساؤلات متكررة حول كلفة هذه التحركات على خزينة دولة تعاني عجزاً حاداً، مقابل وضع إنساني واقتصادي متدهور يعيشه المواطنون في الداخل.
ويرى منتقدون أن هذه السفريات، التي تتكرر على مدار العام، باتت تمثل عبئاً إضافياً على المال العام، سواء من حيث تذاكر السفر والإقامات والبدلات أو من حيث تعطيل الأداء المؤسسي داخل البلاد، في وقت يُطالب فيه المواطنون بتقليص النفقات غير الضرورية وتوجيه الموارد نحو الخدمات الأساسية التي تراجعت إلى مستويات حرجة.
في المقابل، لم يغب عن المشهد التفاعل الشعبي الساخط، حيث اعتبر كثيرون أن القرار لا يعدو كونه تكراراً لنمط من “الإعلانات الحكومية المؤقتة”، التي تظهر في لحظات الضغط الشعبي، ثم تتلاشى تدريجياً دون أن تترجم إلى التزام فعلي أو آلية رقابة صارمة تضمن التنفيذ.
وتذهب قراءات شعبية وإعلامية إلى وصف هذه القرارات بأنها أقرب إلى "هالة إعلامية" تُستخدم لتهدئة الرأي العام، أكثر من كونها إجراءات إصلاحية جذرية، خصوصاً في ظل سجل سابق من القرارات المشابهة التي لم تحقق أثراً ملموساً في تغيير سلوك الجهاز الإداري أو تقليص ظاهرة سفر المسؤولين المتكرر.
ويأتي ذلك في ظل بيئة سياسية وأمنية واقتصادية معقدة، تتداخل فيها الأزمات وتتشابك فيها مراكز القرار، ما يجعل تطبيق مثل هذه التوجيهات مرهوناً ليس فقط بالإرادة الإدارية، بل أيضاً بقدرة الدولة على فرض الانضباط داخل مؤسساتها في واقع تتعدد فيه مراكز النفوذ والتأثير.
ويعيد القرار الحالي إلى الواجهة سلسلة من الإجراءات السابقة التي اتخذتها الحكومات اليمنية المتعاقبة للحد من سفر المسؤولين وإلزامهم بالبقاء داخل البلاد، والتي لم تحقق نتائج مستدامة على الأرض.
ففي يونيو 2017، أصدر الرئيس الراحل عبد ربه منصور هادي توجيهات بمنع سفر أي مسؤول حكومي إلى الخارج إلا بإذن مسبق، في محاولة لضبط حركة القيادات التنفيذية وربطها بواجباتها داخل البلاد.
وفي يونيو 2018، وجه رئيس الوزراء الأسبق أحمد عبيد بن دغر بعودة الوزراء والوكلاء ومديري العموم إلى عدن ومأرب لممارسة أعمالهم من الداخل، غير أن التطبيق العملي ظل محدوداً ومتقطعاً.
كما أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي في أغسطس 2023 توجيهات مماثلة بإلزام المسؤولين بالعودة إلى البلاد لتفعيل مؤسسات الدولة من الداخل، ضمن ما وصف بـ"رؤية إصلاحية لإعادة الانضباط المؤسسي".
وفي مارس 2024، اتخذت الحكومة إجراءات إضافية ضمن حزمة إصلاحات مالية وإدارية، شملت تشديد القيود على سفر المسؤولين، قبل أن تُستكمل في نوفمبر 2025 بإجراءات تقشفية تضمنت تقليص الوفود الرسمية وتشديد الرقابة على السفر الخارجي، في إطار جهود معلنة لترشيد الإنفاق العام.
ورغم هذا التكرار في القرارات، يرى مراقبون أن الإشكالية لا تكمن في غياب النصوص أو التوجيهات، بل في غياب أدوات التنفيذ والرقابة والمساءلة، وهو ما يجعل القرارات المتكررة أقرب إلى ردود فعل ظرفية على ضغط الشارع، بدلاً من كونها سياسات إصلاحية طويلة المدى.
وفي ظل استمرار الأزمة المعيشية وتآكل الثقة بين الشارع والسلطة، يبقى السؤال الأبرز مطروحاً بقوة: هل يشكل قرار منع السفر الحالي بداية لتغيير فعلي في نمط إدارة الدولة وتقليص الهدر في المال العام، أم أنه مجرد فصل جديد في سلسلة "الإعلانات الإصلاحية" التي تعود كل مرة لتطفو على سطح المشهد ثم تتراجع دون أثر يُذكر على واقع المواطنين؟
>
