بين استبداد الحوثي وعجز الشرعية.. الشعب اليمني يواجه معركة البقاء الأخيرة
السياسية - منذ ساعة و 7 دقائق
عدن، نيوزيمن، تقرير خاص:
لم يعد اليمنيون اليوم يواجهون أزمة سياسية عابرة أو تداعيات حرب مؤقتة يمكن احتواؤها بمرور الوقت، بل يعيشون واحدة من أكثر المآسي الإنسانية تعقيداً واستمراراً في العصر الحديث. فعلى مدى أكثر من عشر سنوات من الصراع والانقسام والانهيار المؤسسي، تحولت اليمن من دولة تعاني أزمات تنموية مزمنة إلى ساحة مفتوحة للفقر والجوع والمرض والانهيار الاقتصادي، وسط عجز الأطراف المتصارعة عن تقديم أي حلول حقيقية تنقذ ملايين المواطنين من واقع يزداد قسوة يوماً بعد آخر.
وفي الوقت الذي تستمر فيه جماعة الحوثي في إحكام قبضتها على مناطق واسعة من شمال البلاد، وتواصل الحكومة الشرعية إدارة المناطق المحررة وسط تحديات كبيرة وإخفاقات متكررة، يجد اليمنيون أنفسهم محاصرين بين سلطتين فشلتا، بدرجات متفاوتة، في توفير أبسط مقومات الحياة الكريمة للمواطن، لتتحول معاناتهم إلى عنوان يومي لحياة أنهكتها الحرب واستنزفتها الصراعات السياسية والعسكرية.
ولم تعد آثار الأزمة تقتصر على ساحات القتال أو خطوط التماس، بل امتدت إلى كل منزل وشارع ومؤسسة. فالكهرباء أصبحت حلماً بعيد المنال في كثير من المدن، والمياه والخدمات الصحية تتراجع بصورة مقلقة، بينما تواصل الأسعار ارتفاعها الجنوني بالتزامن مع انهيار القدرة الشرائية للمواطنين وتآكل قيمة العملة الوطنية وتراجع فرص العمل والدخل، في مشهد يعكس حجم الانهيار الذي أصاب الدولة ومؤسساتها.
جماعة الحوثي.. سلطة تدير الأزمات بمنطق الحرب
منذ سيطرتها على صنعاء في سبتمبر 2014، رسخت جماعة الحوثي نموذجاً للحكم يقوم على مركزية القرار الأمني والعسكري، معتمدة على خطاب تعبوي وأيديولوجي عزز من حضور الجماعة السياسي والعسكري على حساب مؤسسات الدولة المدنية.
وخلال سنوات الحرب، وسعت الجماعة نفوذها على مؤسسات الدولة والموارد العامة، وفرضت منظومة واسعة من الجبايات والإتاوات والرسوم المالية التي طالت مختلف القطاعات الاقتصادية والتجارية، الأمر الذي فاقم الأعباء المعيشية على المواطنين والقطاع الخاص في مناطق سيطرتها.
كما أدت سياسات التعبئة العسكرية المستمرة واستقطاب آلاف المقاتلين إلى استنزاف الموارد البشرية والاقتصادية للمجتمع، في وقت كانت فيه البلاد بأمسّ الحاجة إلى توجيه إمكاناتها نحو التنمية وإعادة الإعمار وتحسين الخدمات الأساسية.
ويرى مراقبون أن الجماعة نجحت في تثبيت نفوذها الأمني والعسكري، لكنها أخفقت في تقديم نموذج إداري أو اقتصادي قادر على معالجة الأزمات المتفاقمة، حيث لا تزال معدلات الفقر والبطالة والجوع في تصاعد مستمر، بينما تتعرض الحريات العامة والسياسية لمزيد من التضييق، الأمر الذي عمّق حالة الاحتقان الشعبي وأضعف فرص الاستقرار المستدام.
الشرعية.. حكومة عاجزة عن استعادة ثقة الشارع
في الجهة المقابلة، لم تتمكن الحكومة الشرعية، رغم الدعم الإقليمي والدولي الكبير الذي حظيت به منذ اندلاع الحرب، من بناء مؤسسات قوية وفاعلة قادرة على إدارة المناطق المحررة وتحويلها إلى نموذج جاذب يعكس صورة الدولة المنشودة.
فبعد سنوات من استعادة أجزاء واسعة من البلاد من قبضة الحوثيين، لا تزال تلك المناطق تعاني أزمات متكررة في الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية، فضلاً عن التدهور الاقتصادي المستمر والانهيار المتسارع للعملة الوطنية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على معيشة المواطنين.
كما أسهمت الخلافات السياسية وتعدد مراكز النفوذ وضعف التنسيق بين مؤسسات الدولة في إضعاف الأداء الحكومي وإرباك عملية اتخاذ القرار، الأمر الذي جعل كثيراً من المواطنين يشعرون بأن الفجوة تتسع بين تطلعاتهم والواقع الذي يعيشونه.
ويؤكد محللون أن الشرعية أخفقت في استثمار الفرص المتاحة لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز حضورها في المناطق المحررة، وهو ما أدى إلى تآكل الثقة الشعبية بها وفتح المجال أمام مزيد من الإحباط والسخط المجتمعي.
اقتصاد يحتضر تحت وطأة الحرب والانقسام
يُعد الاقتصاد اليمني أحد أكبر ضحايا الحرب المستمرة، حيث تعرض خلال السنوات الماضية لضربات متلاحقة أفقدته القدرة على التعافي أو حتى المحافظة على الحد الأدنى من الاستقرار.
فقد أدت الحرب إلى تدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية الاقتصادية، وتعطيل العديد من القطاعات الإنتاجية، وانقسام المؤسسات المالية والنقدية، فضلاً عن تراجع الصادرات النفطية والغازية التي كانت تمثل المصدر الرئيسي للإيرادات العامة.
ومع استمرار هذا الوضع، أصبحت ملايين الأسر غير قادرة على تلبية احتياجاتها الأساسية، بينما تتسع دائرة الفقر بصورة غير مسبوقة. فالموظفون الذين ما زالوا يتقاضون رواتبهم فقدوا جزءاً كبيراً من قدرتهم الشرائية، أما العاطلون عن العمل وأصحاب الدخل المحدود فقد وجدوا أنفسهم في مواجهة معركة يومية من أجل البقاء.
ويرى اقتصاديون أن استمرار التدهور الحالي دون إصلاحات جذرية ومعالجات حقيقية سيقود البلاد إلى مرحلة أكثر خطورة، قد يصعب معها إعادة بناء الاقتصاد أو استعادة الاستقرار المالي في المستقبل القريب.
كارثة إنسانية بلا نهاية
ورغم تراجع العمليات العسكرية المباشرة في بعض الجبهات خلال السنوات الأخيرة، إلا أن الأزمة الإنسانية لم تشهد أي تحسن ملموس، بل تواصلت بصورة أكثر تعقيداً نتيجة تراكم آثار الحرب والانهيار الاقتصادي.
فملايين اليمنيين يعانون اليوم من انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية وغياب الخدمات الأساسية، فيما تواجه المنظومة الصحية تحديات هائلة بسبب نقص التمويل والإمكانات، بينما يكافح قطاع التعليم للبقاء في ظل أوضاع متردية تهدد مستقبل أجيال كاملة.
وتؤكد المنظمات الدولية أن اليمن لا يزال من بين أكبر بؤر الاحتياج الإنساني في العالم، حيث يعتمد ملايين الأشخاص على المساعدات الإنسانية كمصدر رئيسي للبقاء، في وقت تتراجع فيه الاستجابة الدولية وتتزايد التحديات أمام المنظمات العاملة في المجال الإغاثي.
شعب يدفع فاتورة الحرب وفشل الجميع
بعد أكثر من عقد على اندلاع الأزمة، لم يعد المواطن اليمني منشغلاً بالشعارات السياسية أو الحسابات العسكرية بقدر انشغاله بالحصول على الكهرباء والماء والدواء والغذاء وفرصة عمل تحفظ له كرامته.
فاليمنيون الذين وجدوا أنفسهم بين سلطة الحوثيين في الشمال وسلطة الشرعية في المناطق المحررة، يدفعون اليوم ثمن إخفاقات متراكمة وصراعات مستمرة لم يكونوا طرفاً في صناعتها. وبينما تتبادل القوى المختلفة الاتهامات بشأن المسؤولية عن التدهور الحاصل، تزداد معاناة المواطن اتساعاً وتتعاظم الفجوة بين احتياجاته الأساسية والقدرة على تلبيتها.
وفي ظل غياب رؤية وطنية جامعة، واستمرار الانقسامات السياسية والاقتصادية، تبدو اليمن وكأنها تسير نحو مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة، فيما يقف ملايين اليمنيين على حافة اليأس، منتظرين بارقة أمل تعيد للدولة حضورها وللمجتمع استقراره وللمواطن حقه في حياة كريمة.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: إلى متى سيظل اليمنيون عالقين بين مطرقة جماعة الحوثي وسندان الشرعية، فيما تتآكل الدولة وتتسع رقعة الفقر والجوع، وتقترب البلاد أكثر من أي وقت مضى من حافة الانهيار الشامل؟
>
