تهديدات الحوثيين للملاحة.. محاولة يائسة للهروب من الانهيار الداخلي

السياسية - منذ ساعة و 4 دقائق
عدن، نيوزيمن:

أعادت الإطلالة الأخيرة لزعيم مليشيا الحوثي عبد الملك الحوثي، بعد أشهر من الغياب عن المشهد، الجدل حول مستقبل أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، لا سيما أنها جاءت متزامنة مع تصريحات متصاعدة لمسؤولين إيرانيين لوّحوا مجددًا باستخدام ورقة الممرات المائية، وفي مقدمتها مضيق باب المندب، كورقة ضغط في مواجهة أي تصعيد يستهدف المصالح الإيرانية.

ويرى مراقبون أن هذا التزامن بين الخطاب الحوثي والرسائل الإيرانية لا يمكن فصله عن طبيعة العلاقة العضوية بين الجماعة وطهران، ويعكس استمرار استخدام الحوثيين كأداة إقليمية لتنفيذ أجندة الحرس الثوري الإيراني، في وقت تتزايد فيه الضغوط العسكرية والاقتصادية على إيران وحلفائها في المنطقة.

وقال الخبير العسكري اليمني العميد ثابت حسين صالح، في تصريحات لبرنامج "التاسعة" على قناة "سكاي نيوز عربية"، إن التحركات الأخيرة للمليشيا جاءت بتوجيهات واضحة من إيران، مشيرًا إلى أن الجماعة اختفت لفترة عن المشهد الإعلامي قبل أن تعود بخطابات وتصريحات متتالية، بالتزامن مع التصعيد الإيراني، وهو ما يعكس – بحسب قوله – وجود تنسيق مباشر في توقيت الرسائل السياسية والعسكرية.

ورغم تصاعد الخطاب الحوثي، استبعد صالح قدرة المليشيا على إغلاق مضيق باب المندب بشكل كامل، موضحًا أن الجماعة لا تسيطر عسكريًا على المضيق حتى تتمكن من فرض حصار بحري، إلا أنها لا تزال تمتلك وسائل تمكنها من تهديد حركة الملاحة الدولية وإرباكها.

وأوضح أن الهدف الحقيقي للمليشيا لا يتمثل في إغلاق المضيق بصورة دائمة، وإنما في خلق حالة من عدم اليقين لدى شركات الملاحة العالمية، بما يدفع السفن التجارية إلى تغيير مساراتها نحو طريق رأس الرجاء الصالح، وهو ما يرفع تكاليف النقل البحري والتأمين، ويؤثر بصورة مباشرة على حركة التجارة العالمية.

وأشار إلى أن مجرد التهديد باستهداف السفن أصبح كافيًا لرفع أقساط التأمين البحري وإرباك سلاسل الإمداد، الأمر الذي يمنح إيران والحوثيين ورقة ضغط تتجاوز قدراتهما العسكرية الفعلية.

وأوضح الخبير العسكري أن الحوثيين لا يملكون الإمكانات العسكرية التي تؤهلهم لإغلاق المضيق كما تفعل الدول النظامية، إلا أنهم يمتلكون ترسانة متنوعة من الوسائل الهجومية، تشمل الصواريخ المضادة للسفن المنتشرة في الساحل الغربي، والطائرات المسيّرة بعيدة المدى، إضافة إلى الصواريخ الباليستية وصواريخ "كروز" التي يمكن استخدامها لاستهداف أهداف بحرية أو موانئ مرتبطة بالملاحة الدولية.

لكن صالح اعتبر أن الخطر الأكبر لا يكمن في هذه المنظومات، التي يمكن اعتراض نسبة كبيرة منها بواسطة أنظمة الدفاع الجوي المتطورة، وإنما في الوسائل منخفضة الكلفة وعالية الخطورة، مثل الزوارق المفخخة والمسيّرة والألغام البحرية، التي يصعب رصدها مبكرًا، ويمكن أن تشكل تهديدًا مباشرًا للسفن التجارية والعسكرية.

وأضاف أن الطبيعة الجغرافية للساحل الغربي الممتد من حرض حتى الحديدة، وما يحيط به من تضاريس جبلية، تمنح الحوثيين بيئة مناسبة لإخفاء منصات الإطلاق وتنفيذ عمليات مباغتة ضد أهداف بحرية.

وربط صالح عودة الحوثيين إلى التهديدات الخارجية بالأزمات المتفاقمة داخل مناطق سيطرتهم، مؤكدًا أن الجماعة تواجه ضغوطًا اقتصادية ومعيشية متزايدة، إلى جانب حالة من الاحتقان الشعبي نتيجة تدهور الأوضاع المعيشية، وانقطاع الرواتب، واتساع رقعة الفقر.

وأوضح أن المليشيا اعتادت، كلما واجهت أزمات داخلية، تصدير الأزمة إلى الخارج عبر فتح جبهات جديدة أو إطلاق تهديدات تستهدف المجتمع الدولي، بهدف صرف الأنظار عن مشكلاتها الداخلية، وإعادة تعبئة أنصارها تحت شعارات المواجهة الخارجية.

وأشار إلى أن الضربات الأميركية والإسرائيلية الأخيرة لم تُنهِ القدرات العسكرية للحوثيين بشكل كامل، لكنها ألحقت بها أضرارًا ملموسة، خصوصًا على المستوى اللوجستي، في حين يبقى الاختناق الاقتصادي أكثر تأثيرًا على الجماعة من العمليات العسكرية المباشرة.

كما لفت إلى أن الحوثيين يحاولون استثمار الخطاب الإعلامي الإيراني الذي يروج لخروج طهران "منتصرة" من المواجهات الأخيرة، لتقديم أنفسهم كقوة إقليمية قادرة على مواصلة التهديد، رغم التراجع الذي أصاب قدراتهم العسكرية.

وكشف صالح عن معلومات وصفها بالمؤكدة، تفيد بأن الحرس الثوري الإيراني أصدر توجيهات للحوثيين بالتحرك لاستهداف الملاحة الدولية أو "خنق" باب المندب في حال تعرضت منشآت الطاقة أو المصالح الحيوية الإيرانية لأي هجوم.

ويرى أن هذا الأمر يعزز القناعة بأن قرار التصعيد لا يُتخذ داخل صنعاء، وإنما يرتبط بالحسابات الاستراتيجية لطهران، التي تستخدم الجماعة كورقة ضغط في صراعها مع الولايات المتحدة وحلفائها.

وأكد أن أي تصعيد حوثي واسع ضد السفن التجارية قد يغيّر طبيعة رد المجتمع الدولي، الذي اكتفى خلال الفترات السابقة بسياسة الردع والاحتواء، مرجحًا أن يكون الرد المقبل أكثر حسمًا إذا تعرضت مصالح دولية كبرى أو مصادر الطاقة العالمية للخطر.

وأضاف أن أي تحرك عسكري إقليمي واسع في البحر الأحمر لن يتم إلا في إطار تنسيق مباشر مع الولايات المتحدة، باعتبارها الطرف الأكثر تأثيرًا في ترتيبات الأمن البحري بالمنطقة.

واختتم صالح حديثه بالتأكيد على أن القوات الجنوبية تمثل، ميدانيًا، القوة الأكثر قدرة على مواجهة الحوثيين في الساحل الغربي وباب المندب، مشيرًا إلى أنها تمتلك خبرة قتالية كبيرة، وأسهمت خلال السنوات الماضية في حماية الملاحة الدولية، مستفيدة من سيطرتها على جزيرة ميون الاستراتيجية، التي تتحكم بقناتي العبور في مضيق باب المندب.

ويرى مراقبون أن عودة الخطاب الحوثي التصعيدي، بالتزامن مع الرسائل الإيرانية، تعكس محاولة لإعادة توظيف ورقة البحر الأحمر في الصراع الإقليمي، إلا أن أي مغامرة تستهدف الملاحة الدولية قد تفتح الباب أمام ردود دولية أكثر صرامة، في ظل إدراك متزايد بأن أمن باب المندب لم يعد شأناً إقليمياً فحسب، بل قضية ترتبط مباشرة بأمن التجارة العالمية واستقرار أسواق الطاقة.