تهديدات الحوثيين لشركات الشحن العالمية.. تصعيد يخدم إيران
السياسية - منذ ساعة و 13 دقيقة
عدن، نيوزيمن، خاص:
فتحت ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران جبهة تصعيد جديدة في البحر الأحمر، بعد توجيه تهديدات مباشرة إلى شركات الشحن العالمية والسفن التجارية بعدم تحميل أو تفريغ البضائع في الموانئ السعودية، في خطوة اعتبرها مراقبون تصعيدًا يتجاوز حدود الصراع اليمني، ويضع الملاحة الدولية أمام مخاطر جديدة، بينما يعكس توظيفًا متزايدًا لليمن كورقة ضغط إيرانية في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها.
ويأتي هذا التصعيد في توقيت بالغ الحساسية، مع تصاعد المواجهة بين واشنطن وطهران، الأمر الذي يعزز المخاوف من سعي إيران إلى فتح بؤرة توتر جديدة في البحر الأحمر وباب المندب لتخفيف الضغوط العسكرية والسياسية المفروضة عليها، مستفيدة من هشاشة الوضع اليمني واستمرار سيطرة الحوثيين على أجزاء واسعة من الساحل الغربي.
وبحسب رسالة بريد إلكتروني مؤرخة في 20 يوليو/تموز، بعث بها "مركز تنسيق العمليات الإنسانية" التابع للحوثيين إلى عدد من شركات الشحن العالمية، حذرت الجماعة السفن من تحميل أو تفريغ البضائع في أي ميناء سعودي، ملوحة باستهداف السفن المخالفة "في أي مكان" يقع ضمن ما سمته نطاق عملياتها.
وجاء في الرسالة: "يحظر على السفن تحميل أو تفريغ البضائع في أو من أي ميناء سعودي"، داعية شركات الملاحة إلى ممارسة "أقصى درجات الحذر"، ومؤكدة أن أي سفينة تخالف تلك التعليمات ستكون عرضة للعقوبات وربما للاستهداف العسكري.
ويرى مراقبون أن التهديدات الحوثية تمثل محاولة جديدة لفرض سلطة أمر واقع على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، رغم أن الجماعة لا تمتلك أي صفة قانونية تخولها إصدار قرارات تتعلق بحرية الملاحة أو التجارة الدولية.
كما تعكس هذه الخطوة، بحسب محللين، انتقال الحوثيين من استهداف السفن المرتبطة بإسرائيل أو الولايات المتحدة إلى محاولة فرض قيود على التجارة الإقليمية، بما يوسع دائرة التهديد ويهدد بإدخال المنطقة في مرحلة أكثر تعقيدًا من التصعيد.
هذه التهديدات تنسجم مع الاستراتيجية الإيرانية القائمة على استخدام وكلائها لخلق أوراق ضغط في الممرات البحرية الحيوية، خصوصًا مع تصاعد الضغوط العسكرية والاقتصادية التي تواجهها طهران.
ويحذر المراقبون من أن اليمن، بما يعانيه من انقسام سياسي وحرب ممتدة وأوضاع اقتصادية وإنسانية متدهورة، أصبح البيئة الأكثر قابلية لاستغلاله في الصراعات الإقليمية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد حوثي جزءًا من معادلة إيرانية أوسع، لا يقتصر تأثيرها على الداخل اليمني، بل يمتد إلى أمن الطاقة والتجارة العالمية.
ويرى مراقبون أن طهران تسعى إلى توسيع نطاق المواجهة بعيدًا عن أراضيها، عبر تحريك جبهات حلفائها في المنطقة، وفي مقدمتها اليمن، لإرباك خصومها ورفع كلفة الضغوط العسكرية الأمريكية، مستغلة الموقع الاستراتيجي لباب المندب الذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية وشحنات النفط.
ولم تمر التهديدات الحوثية دون تأثير اقتصادي، إذ دفعت المخاوف من اتساع دائرة التوتر في البحر الأحمر أسعار النفط إلى تسجيل أعلى مستوياتها منذ أكثر من شهر، قبل أن تتراجع بصورة طفيفة، في مؤشر على حساسية الأسواق تجاه أي تهديد يستهدف طرق إمدادات الطاقة العالمية.
وتزداد المخاوف لأن السعودية تعد أكبر مصدر للنفط الخام في العالم، وأي اضطراب في حركة موانئها أو خطوط الملاحة المرتبطة بها ستكون له انعكاسات مباشرة على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد الدولية.
وأثارت التهديدات الحوثية ردود فعل واسعة، إذ أدانت المملكة العربية السعودية ما وصفته بالتهديدات غير القانونية للملاحة البحرية، مؤكدة أنها ستتخذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية سفنها وفق أحكام القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
كما أعلن تحالف دعم الشرعية في اليمن بدء تنفيذ إجراءات عسكرية لحماية السفن التابعة له في مضيق باب المندب، متوعدًا بالرد "بكل حزم وقوة" على أي تهديد يستهدف الملاحة الدولية.
وأكد المتحدث باسم التحالف، اللواء تركي المالكي، أن تهديدات الحوثيين تمثل مخالفة صريحة للقانون الدولي وترقى إلى أعمال قرصنة بحرية، مشددًا على أن قوات التحالف اتخذت التدابير العملياتية الكفيلة بضمان أمن الملاحة.
وفي معرض رده على مبررات الحوثيين، أشار المالكي إلى أن ادعاءات الجماعة بفرض حصار على المناطق الخاضعة لسيطرتها تتناقض مع الوقائع، موضحًا أن أكثر من 300 سفينة تجارية دخلت خلال النصف الأول من عام 2026 إلى موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى، محملة بالغذاء والوقود ومواد البناء والبضائع المختلفة.
ويرى مراقبون أن هذه الأرقام تنسف الرواية الحوثية بشأن "الحصار"، وتكشف أن الجماعة توظف هذا الخطاب لتبرير التصعيد العسكري وخلق ذرائع لاستهداف الملاحة الدولية، رغم استمرار تدفق الواردات إلى الموانئ الواقعة تحت سيطرتها.
وعلى الصعيد الداخلي، عقد مجلس الدفاع الوطني اليمني اجتماعًا طارئًا برئاسة رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، لمناقشة التطورات الأخيرة، مؤكدًا رفع جاهزية القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية كافة للتعامل مع أي تصعيد حوثي، والتصدي لمحاولات فرض أمر واقع خارج سلطة الدولة.
وشدد المجلس على أن استعادة مؤسسات الدولة وحماية السيادة الوطنية تمثلان أولوية وطنية، داعيًا مختلف القوى الوطنية إلى الالتفاف حول القوات المسلحة لمواجهة التهديدات المتصاعدة.
من جانبها، أعربت الأمم المتحدة عن قلقها من التصعيد الحوثي، محذرة من أن تهديد الملاحة والسعودية قد يقود إلى توسع الصراع على المستوى الإقليمي.
وأكد المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك ضرورة خفض التصعيد والعودة إلى الحوار والدبلوماسية، محذرًا من أن أي مواجهة جديدة في البحر الأحمر أو باب المندب ستفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن، وتهدد الاستقرار الإقليمي والتجارة العالمية.
التهديدات الحوثية الأخيرة لا يمكن فصلها عن التحولات الإقليمية، إذ تبدو الجماعة أكثر اندماجًا في الاستراتيجية الإيرانية الرامية إلى استخدام الممرات البحرية كورقة مساومة في مواجهة الولايات المتحدة، وهو ما ينذر بإعادة اليمن إلى واجهة الصراع الإقليمي، وتحويل البحر الأحمر إلى ساحة مواجهة مفتوحة، يدفع اليمنيون ثمنها أولًا، بينما تتسع تداعياتها لتطال أمن الملاحة والاقتصاد العالمي.
>
