وادي الملك.. ملكوت في الجحيم!

@ المخا، نيوزيمن، نجم المريري: السياسية

2021-01-15 08:29:18

باستثنائي، كان الجميع يتنسّمون هواء الوادي لأول مرة، "حسام" الذي يكبرنا شاعرية وطفولة ورهبة أسند ظهره إلى الشمس في جلسة استجمام يوغاوية، راحتا كفيه غافيتان على ركبتيه، أخذ نفساً بدا طويلاً لامتناهيا كأن جوع رئتيه يقاوم الشبع أو أن كرة أرضية عُلِّقت مكانهما، عميقا بما يكفي لتجريد الأشياء حولنا من لونها، ملمسها، رائحتها، ماديتها.. كان جوع رئتيه يستنهض البحر، يغرقه والمكان والدنيا في رأسه، ثم زفرة بطيئة كأنه يعيد بسط السماء في بعدها المادي، بزفرة قصيرة أخرى لفظ البحر إلى مكانه، رصة لانهائية لمعالم وتفاصيل المكان من نخل وحب أعاد سكبها في قوالبها، زفرة زفرة، مضمخة ومتنديّة برئتيه، كل شيء تموضع في مكانه ماديا متجذرا، وحده المُلك من بقي حبيس روحه قبل أن يتسلل إلينا رِئَوِيّا ومعديا...!!

في الطريق إلى وادي الملك وعلى امتداد خط يختل ثم الانفلاتة الترابية المفضية إليه عليك بالاعتماد على ذاكرتك، إذ لا وجود لأي لوحات إرشادية تدلك عليه، لا زوار كُثر أيضا، كما أن أقل غفلة قد تكلفك حياتك وحياة سيارتك بلغم أرضي.

على يمين ويسار الخط الإسفلتي يتلوى في القيض والريح كثبان أراضٍ مستوية، مساحات مهجورة من كل أثر عدا الحجارة التي تحيطها أو تتوسطها راسمة أشكالا عادية وقد طليت رؤوسها بالأحمر كشارة محذرة، تنبيه غير خطي على وجود ألغام أرضية في المكان، ذاك الموت البشري المُعلّب والمُستَعِد دائما.

بعد نصف ساعة من المرور على خط يختل، عرجنا في انفلاتة ترابية تمتد عبر عدد من الأراضي الخالية من الحياة والموسدة بالألغام، في المرآة الجانبية للسيارة، تقترب شارات خطر وجود الألغام التي أضحت دليلنا، مسارنا الوحيد الآن، ثم تبتعد مفسحة المجال لظهور مساحات أخرى للموت المكرر ذاته، يذكرنا دخول وخروج الموت في المرآة، إلى حدٍ بائس، بخروج الأراضي الزراعية نفسها عن الجغرافيا، فيما جماجمها الحجرية الحمراء، تتحول في البعيد إلى لطخات، غرزات طاعنة ومدماه على المرآة، وصمات عار لا تكاد تذوي حتى تصطف من جديد، كما لو أن الموت عادي، إنها، وبمرارة، التجسيد المرئي والوحشي للحقيقة البشرية القادمة، والمعنى الوحيد لأي سلام سنعيشه.

الموت يفضي إلى الملك، ألن تأتي صرخة الله "لمن الملك اليوم" على أنقاض الموت، كأن هذا هو الطريق الأبدي الوحيد للملك، ثم تتذكر الحرب، التي أصبحت، دون حول لك أو مُلك، حربك.

في الطريق إلى وادي الملك لا تغفل عن ذاكرتك، لكن وعندما يتأكد وصولك، علقها على جذع أول نخلة تمسها روحك، دون ذلك سيرفضك الوادي...

أَسْلِم نفسك والزمان للملك الآن، أطلق روحك في الأرجاء، في ذاك الفيض البوهيمي الصوفي، بتلك القداسة المباحة، بوحي النوارس، بطيش النخيل، بكل ما يملأ رئتيك بالمكان وأسر أسراره.

لم يبقَ من الوادي سوى الملك، والجمال المقموع، الجمال المتناحر، وبقايا ميتة من أزمنة محنطة، حسيّة ومتوهجة رغم ذلك، وشريط من نخيل يبدو كيدين مشرعتين وصدر جاهز لعناق السماء والبحر والآلهة.

الشمس محْبَرة نحاسية، دواة يفرغها الغروب بتمهّل وتَدَرُّج في الجانب الشبقي من السماء، نسمات فضية من مزيج النحاس والزرقة تداعب المياه العذبة من البحر، يشف رويدا وتشع أعماقه بلمعان الحصى المنغمس في قاعه، تشف الأجساد معه أيضا، أرى البحر من خلال المنازل العشبية المبنية من أغصان الشجر وسعف النخيل والزمن وجسد العم سعد أيضا، سعد الذي يحرس ويرعى المكان، يشجعه على ذلك العمر وقد تجاوز به المائة عام، يطاول العم سعد عُمْر أول نخلة، هو وحده التجسيد الحي للمكان، حرائق الشمس التي تحنط جسده الرُهباني الشفاف، الوجود خارج الزمن، أو الوجود داخل زمن توقف في لحظة حنين، لحظة عالقة بهدوء بين الموت والحياة، الخليط المتحسّر والمترنّم في لكنته العشبية الموغلة في القِدَم، صوته المشبع بالبحر والنخل، الذي ودون أن تدرك منبعه تخطئه أذنك إن ركزت تصويبها نحو فمه فتخاله قادما من جسدك المنصت بتودد وأبهة، من جسدك أنت ومما حولك، من دفء دفين وكامن فيك وفي المكان، قبل أن تتحول أنت والمكان إلى وحدة واحدة، وادٍ واحد، تتملكه ويتملكك، يدفعك للتفكير بعزلة تعبدية، بالرهبنة أو التأله، وعندما تلتمس روحك فكرة البقاء أبديا في المكان، تدرك حينها سر تسميته بوادي الملك.

ما يريعني الآن، أن الوادي والملك يتحولان إلى ضدين، شقين كلاهما في طريقه لأن يفقد الآخر، الوادي مليء بالآلهة لكنه بحاجة للإنسان الذي يَسْتَكْنِزّه ويستنْبِتُّه ويستثمره، يملأه بالفردوس قبل أن ينتهي تحت عجلة الحواف المسننة الحادة للإسمنت والفولاذ.