د. ياسين سعيد نعمان

د. ياسين سعيد نعمان

تابعنى على

الاكتفاء بنصف النصر يعادل الهزيمة...

الاثنين 17 يناير 2022 الساعة 10:00 ص

التحول من الدفاع إلى الهجوم في هذه الجبهة الشرقية الساخنة من جبهات المواجهة مع المليشيات الحوثية يعيد بناء المشهد العسكري والسياسي والدبلوماسي على نحو معاكس لما بشرت به طوال الفترة الماضية أذرع إيران في المنطقة، من قرب ابتلاع اليمن، مع ما يعنيه ذلك من التفرد بصياغة مستقبله من قبل جماعة كل مؤهلاتها هو أنها ذراع لنظام إقليمي يسعى إلى التمدد والتوسع في هذه المنطقة بأيديولوجية طائفية تستخدم العنف، والإرهاب، وتجنيد الخارجين عن الشرعية الوطنية والقانون.

هذا التحول الهام في المعركة يجب أن تتوسع رقعته بانتاج مزيد من الشروط السياسية والعسكرية والشعبية والمجتمعية، فلا شيء يعادل الهزيمة أكثر من نصف النصر، ولن يتم ذلك إلا بمغادرة حالة التلقين السلبي للعقل السياسي والتي يضخها موروث الصراعات السياسية بين مختلف القوى التي تتصدى لهذا المشروع الطائفي التوسعي، والتفاعل عوضاً عن ذلك مع متغيرات الحياة كما هي في الواقع لا كما تحتفظ بها قراطيس النخب وبرامجها التي باتت في حاجة إلى مراجعات شاملة في ضوء ما أفرزه هذا الواقع من تبدلات.

وفي تقديري أن أول ما يجب عمله هو أن لا يترك هذا التحول، والذي تحقق بتضحيات غالية، لاجتهادات لا ترقى إلى مستوى الأهمية الاستراتيجية التي تمثلها الخطوة اللاحقة، والتي يتوقف عليها مصير المعركة كلها. 

تتزاحم على قارعة هذا التحول في مسار المعركة آراء وأفكار بشأن الخطوة القادمة، تصادم بعضها، وتقدم الدليل على أن حدود المعرفة بالخيار الاستراتيجي لا يزال محفوفاً بمخاطر الانقلاب على واقعية ما رتبته الحياة من تطورات. 

في مرة سابقة عام 2018 أشهر في وجه الشرعية وتحالف دعم الشرعية ما سمي "المأساة الإنسانية المحتملة" فيما لو دخلت قواتها ميناء الحديدة.. وكان ذلك انقلاباً على ما شهده مسار المعركة في تلك المنطقة من تطورات ميدانية كان من شأنها أن تضع حداً للحرب لو أن المسار بلغ غايته المقررة. 

لا أحد من أولئك الذين أثاروا ذلك الضجيج حول الوضع الإنساني استفسر أو سأل عما إذا كان وقف الزحف على الحديدة قد منع المأساة أم أنه ساعد على تعميمها وتعميقها بصورة أشد قسوة بسبب ما وفره ذلك من ظروف لمواصلة الحرب من قبل المليشيات الحوثية التي وظفت اتفاق استوكهولم في تجميد هذه الجبهة المشتعلة لتتفرغ للجبهات الأخرى. 

رأينا كيف حصد الحوثي النتائج التي ترتبت على هذه الخديعة طوال ثلاث سنوات من البلطجة، وسفك الدماء، والتربح، وابتزاز وقمع الناس في مناطق سيطرتهم، وبيع الوهم بتفوقهم العسكري، وحشد الأطفال إلى محارق الحرب، ثم استخدام موانئ الحديدة كنقاط انطلاق وملاذات لأعمال القرصنة البحرية وزرع الالغام وتهديد الملاحة الدولية في أهم شريان بحري، وتهديد البيئة البحرية بكارثة كبرى باحتجاز خزان صافر النفطي في وضع فني يهدد بالانفجار، وفوق هذا وذاك وضع اليمن ومستقبله رهينة بيد النظام الإيراني كساحة لمشروعه الطائفي العدواني التوسعي.

اليوم، وبعد كل هذه التجارب المريرة، لا بد من أن يعاد الاعتبار للجانب الإنساني بالنظر إليه من الزاوية التي لا تجعل الحديث عنه مجرد غطاء لمزيد من قهر الإنسان مثلما حدث في المرات الماضية حينما رفع شعار حماية الإنسان ليجعل منه المستفيدون من الحرب سبباً في مواصلة قتله وتجويعه وتشريده.. لن يكون ذلك ممكناً إلا حينما يكون الهدف هو إنهاء السبب الذي قاد إلى هذه الكارثة الانسانية التي يعيشها اليمن.. أي أن التحول في مسار المعركة في هذه الجبهة وعلى هذا النحو هو الكفيل بانهاء الحرب وتحقيق السلام ومنع المزيد من الكارثة الإنسانية. 

بدون هزيمة هذا المشروع المتسبب في هذه الكارثة الإنسانية لن يكون الحديث عن حماية الأوضاع الإنسانية غير صراخ في فراغ، لا ينتج على الأرض غير مزيد من تدهور هذه الأوضاع ومواصلة معاناة الملايين من اليمنيين.

كل هذا يتطلب النظر إلى هذا التحول الهام في سير المعركة من خلال رؤيا تجسد التفاهمات السياسية لدى القوى التي تتصدى للمشروع الحوثي الإيراني، وتتجاوز كل ما من شأنه أن يفسد المنطق الذي جعل التصدي لهذا المشروع الفاسد والخبيث مهمة مشتركة لهذه القوى مجتمعة. 

نتوقف هنا لنسأل كيف يمكننا أن نجعل من هذا التحول منتجاً مستمراً لديناميات المعركة السياسية والعسكرية والشعبية القادمة حتى يتحقق السلام والأمن والاستقرار؟

نحتاج هنا لنكرر من جديد أن القوى والنخب السياسية معنية قبل غيرها بتفريغ شحنات الهيمنة والبيروقراطية الثقيلة التي تعج بها برامجها وتدير بها المشهد السياسي، واستبدالها بالقبول بالارادة الشعبية في تقرير خياراتها السياسة، 

حينما قلنا في مرحلة معينة ان الصراع سيكون صراع البرامج السياسية ربما غالبنا الحنين إلى الاسترخاء من هم المواجهة مع الموانع القوية للتحول الديمقراطي، فالبرنامج الذي لم يكن تحمله مليشيا مسلحة أو قوة عسكرية انتهى أمره كحالة مدنية عابرة وغدا أصحابه مجرد إضافات في بيانات لا تسمن ولا تغني من جوع، وهذا ما يعكسه المشهد اليوم بملامحه المشوهة التي تجعل حديثنا عن خيارات الناس يبدو وكأنه تكرار ممل لمسألة هناك من يرى الواقع لا يهضمها، كما لو قدر هذا البلد هو أن يبقى رهين واقع يصنعه منتفعون من بقائه عنيداً في مواجهة الحاجات المتجددة للانسان والانسانية. 

أما البرامج التي حملتها المليشيات المسلحة انتهى أصحابها الى نهب الدولة والحرب مع النظام الذي انتجها وهيأ لها الظروف لتقوى على حساب القوى المدنية وتدمير المجتمع برمته.

إذا لم نغير هذه الحرب من سلوك الجميع، وتفضي إلى الإقرار بحقيقة أن الناس هم وحدهم الأحق بتقرير خياراتهم السياسية، فإن الحرب لن تنتهي إلا لتلد حرباً أخرى، والبلد فيه من القضايا الهامة ما يجعل هذه المسألة في مصاف الحقيقة.

*من صفحة الكاتب على الفيسبوك