فهمي محمد

فهمي محمد

تابعنى على

الخصوصية التاريخية والإرث السياسي

الجمعة 18 مارس 2022 الساعة 09:34 م

«إشكالية الحاضر والماضي»       

الحديث عن الإرث السياسي الأبرز والمؤثر سياسياً ووجدانياً في ثقافة الأمة العربية، يعني الحديث في تاريخ وتجربة الخلافة العربية الإسلامية، التي أسست سلطتها السياسية من داخل المدينة المنورة بناءً على حدث الرسالة المحمدية واعتناق عرب شبه الجزيرة العربية دين الإسلام، واستمرت في حكمها أكثر من عشرة قرون، تجاوزت في سلطانها السياسي حدود القومية التاريخية والجغرافية العربية، إلا أن الأهم في موضوع حديثنا في هذه العجالة يعني أننا في صدد خصوصية تاريخية تميزت بها واقعة التأسيس «السياسي» الأولى في بنية الدولة العربية الإسلامية، بل في تشكل مكون الأمة العربية الإسلامية على مستوى الاجتماع السياسي والثقافي لا سيما الثقافة السياسية التي كانت وما زالت تمثل لدى الكثير من النخب العربية {السياسية والثقافية وحتى الحزبية ناهيك عن العوام من الناس} إشكالية الماضي والحاضر فيما يتعلق بـثقافتهم الجمعية/ السياسية /تجاه مفهوم الدولة ومفهوم السياسة، وهذا ما جعل معادلة الدين والدولة أو الدين والسياسة تشكل أحد الجدليات أو الإشكاليات الكبرى التي لم تحسم بشكل ناجع حتى اليوم داخل ثقافتنا السياسية «الجمعية» أقصد ثقافة العرب المسلمين.

لست في هذه المقالة بصدد تكرار الحديث التقليدي أو الجدل الطويل والمكثف الذي أثاره سؤال هل الإسلام دين ودولة أم دين وشريعة للحياة؟ مع أن طرح مثل هذا السؤال المباشر المتعثر في حسم إجابته الثقافية والفكرية، يطرح بذاته سؤالاً غير مباشر يقول: هل السياسة كفكرة ثقافية وفعل سياسي مدني تجد مصدرها في الدين كمعتقد سماوي، أم في صيرورة المجتمع وتحولاته الإنسانية من الفرد إلى المجتمع إلى مفهوم الشعب السياسي، كظاهرة / بشرية / دنيوية / حتمية / تتطلب في آخر المطاف قيام دولة حاكمة وممارسة سياسية بغض النظر عن المعتقد الديني للأفراد من عدمه؟

في كل الأحوال طرح مثل هكذا أسئلة مركبة والجدل المكثف على إثرها «قديماً وحديثاً» هو في الأساس نتيجة من نتائج إشكالية المفهوم السياسي والثقافي الفكري الذي تخلق وتراكم لدينا {عرب ومسلمين} بفعل الخصوصية التاريخية والإرث السياسي الذي تشكل تباعاً على وجود مثل هذه الخصوصية التاريخية، التي ميزت التجربة التاريخية والسياسية للعرب المسلمين دون غيرهم، ما يعني أن قدرتنا «الناجعة» فكرياً وثقافياً بخصوص تحليل الخصوصية التاريخية والإرث السياسي، قد يعفي حاضرنا والأجيال القادمة من بعدنا «سياسياً» من طرح سؤال الدين والدولة والسياسة أو سوف يساعدنا في أدنى الأحوال في فض حالة الاشتباك القائمة تاريخياً بينهما لا سيما وأن الحاجة لمثل ذلك تبرز في حالة إقدام تيار الإسلام السياسي {سنة وشيعة} في السيطرة على مقاليد السلطة والحكم بالقوة واستغلال مفاعيل وتأثير الجملة الدينية كما يحدث في اليمن.

الحديث في صلب موضوع الخصوصية التاريخية التي تتركز عليها فكرة هذا المقال تعني أن سكان شبه الجزيرة العربية لا سيما سكان مكة المكرمة والمدينة المنورة {عرب قريش والأوس والخزرج} الذين تأسس على أيديهم وبفكرهم النموذج السياسي للدولة العربية الإسلامية، كانوا في واقع الحال إلى عام الرسالة المحمدية وحتى عام الهجرة، وإن شئت فقل حتى وفاة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، لم يعرفوا معنى الخضوع السياسي والقانوني لدولة حاكمة أو حتى لسلطة آمرة سياسياً فوق سلطة القبيلة ولم يمارسوا السياسة كفكرة ثقافية وفعل سياسي، ولم يتحول الأفراد بعد {أفراد القبيلة} إلى مجتمع متجانس أو إلى شعب بالمفهوم السياسي كما كان عند اليونان قبل مجيء المسيح عليه السلام، ما يعني أن الرسالة المحمدية نزلت على مكون إنساني كان يعيش في حالة فراغ من وجود سلطة الدولة والسياسة، خصوصاً إذا ما اعتمدنا مقولة إن السياسة هي علم الدولة، ناهيك عن أن المكون الإنساني الذي شهد نزول رسالة الإسلام في مكة والمدينة كان يعيش ثقافياً واجتماعياً حالة جمود في صيرورة التحولات الاجتماعية التي تؤسس عملية للاندماج الاجتماعي، فالفرد في زمن نزول رسالة الإسلام كان يخضع لسلطة القبيلة وهويتها التاريخية والعرفية، والمجتمع الذي تمارس فيه القبيلة حضورها التاريخي ودورها الوظيفي تجاه أفراده، لا يتحول إلى شعب بمفهوم الشعب -السياسي- لأن هذا الأخير يتشكل ويتحايث مع فعل الانتماء للفكرة الوطنية التي تتجاوز في ثقافتها وممارستها العملية حالة الحضور التاريخي والوظيفي للقبيلة داخل المجال الاجتماعي والسياسي.

إذن خصوصيتنا التاريخية تكمن في هذا الفراغ «السلبي» على المستوى السياسي والاجتماعي الذي كُنا نعيش فيه، مع قدوم رسالة الإسلام، كما أننا لا نستطيع أن نسقط عن تلك المرحلة صفة الخصوصيه التاريخية التي تستدعي الوقوف عليها، بحجة القول إنها كانت مرحلة زمنية قابلة للتطور التاريخي كما هو حال أي مجتمع تطور من الماضي إلى الحاضر، لأن التسليم بهذا القول يجعل هذه الخصوصية أكثر مضاعفة، أي خصوصية تاريخية تخلفية قياساً على أن المكون الإنساني الذي كان يعيش في نفس الحقبة الزمنية خارج محيط الجزيرة العربية كان يعيش في ظل سلطة دولة وامبراطورية تمارس السياسة كفكرة وعلم، وتؤسس في نفس الوقت حالة انتماء ثقافي لفكرة تجسدها الدولة في وجدان الجماعة المحكومة، الأمر الذي يعني أن القبيلة لم تعد قادرة على ممارسة حضورها التاريخي ودورها الوظيفي تجاه الأفراد داخل إمبراطورية الفرس أو الروم على سبيل المثال، لأن سلطة الإمبراطورية حلت محلها، هذا من جهة أولى ومن جهة ثانية فإن خصوصية الفراغ /السياسي /التاريخي /التخلفي/ لم تكن نتيجة لانتكاسة ظرفية حدثت بعد ازدهار سياسي، كما هو حال المجتمع الأوروبي الذي شهد قدوم الدين المسيحي وهو في حالة انتكاسة ظرفية بعد انهيار الإمبراطورية الرومانية، بمعنى آخر مع قدوم المسيحية والإيمان بها كان المجتمع يملك إرثا سياسيا وفكرا فلسفيا يتعلق بثقافة السلطة والدولة والسياسة والشعب، أي أن مفهوم السلطة والدولة والسياسة والشعب وجد لديهم قبل وجود المسيحية كمعتقد ديني سماوي، وهذا مكنهم من وضع النقاط على الحروف فيما يتعلق بما هو سياسي وما هو ديني، أو ساعدهم في فض حالة الاشتباك القائم بينهما، فالمسافة التي تفصل بين ممارستهم للسياسة والدولة وبين اعتناق المسيحية مسافة تقدر بقرون زمنية، أما الفراغ السياسي لدى المكون الأول أو لدى الصحابة الذين شهدوا الرسالة كان فراغا فطريا خاليا من أي إرث سياسي وفلسفي يتعلق بمفهوم الدولة والسياسة والشعب، الأمر الذي يعني أن هذا الجيل الذي كان لا يمتلك إرثا سياسيا مع بعثة الإسلام أصبح هو المعني ابتداءً بتأسيس إرث سياسي وفلسفي يتعلق بمفهوم الدولة والسياسة والشعب، ناهيك أن هؤلاء الذين أسسوا الإرث السياسي للخلافة الإسلامية أو للدولة العربية الإسلامية، أو للأمة العربية الإسلامية، كانوا يعيشون مسافة صفرية لا تفصل زمنياً بين إقدامهم على اعتناق الإسلام كمعتقد سماوي وبين تأسيس الدولة وممارسة السياسة، وهذا بحد ذاته لم يعق بعد ذلك وضع النقاط على الحروف فيما يتعلق بما هو سياسي وما هو ديني والحد الفاصل بينهما، بل جعل إرثنا السياسي يقوم في الابتداء على إشكالية المفهوم الثقافي الذي يقول إن الإسلام مصدر كل شيء، عقيدة وعبادة وسياسة وسلطة واجتماعا واقتصادا، لا سيما في ثقافة أحزاب جماعة الإسلام السياسي التي تصل إلى حد تكفير من يقول بغير ذلك.