فيصل الصوفي

فيصل الصوفي

الذرائعية

Monday 29 May 2023 الساعة 08:43 am

يسيئ موظف عام، أو قائد عسكري، استغلال وظيفته لخدمة غرض شخصي، فينتهك حق مواطن أو يعتدي على ملكية خاصة، وهنا يبرز المتدثرون برداء الموضوعية ليقولوا: نعم، لقد أخطأ، ولكن لا يصح تضخيم الخطأ لأن هذه حالة واحدة وقعت في المدينة، بينما تسجل حالات كثيرة مثلها في مدن يمنية أخرى.

كلام مثل هذا يعتبر موضوعيا عند معظم الناس، بينما هو غير موضوعي، بل خطأ وخطر.. هو ضرب من ضروب التذرع، وقد أمست الذرائعية عادة عربية عامة ورسمية.. اقرأ، مثلاً، رد أي حكومة من الحكومات العربية على تقارير حقوق الإنسان التي تصدرها منظمات دولية أو وزارة الخارجية الأميركية، والتي تعدد فيها حالات الانتهاك التي ترتكب بحق الانسان في الحياة أو حقه في الحرية، أو التظاهر، وغيرها من الحقوق التي يحميها القانون.. يذكرون في تلك الردود أن منظمة كذا أو وزارة خارجية واشنطن ليس من حقها انتقادنا على انتهاكات حدثت بصورة غير متعمدة، لأن هذه الانتهاكات التي عددتها لنا يحدث مثلها وأكثر منها في أميركا.. رد كهذا يعني أن الانتهاكات غير المتعمدة لا بأس بها، وأن ما يحدث عندكم يا إدارة أميركية أكثر من القليل الذي به شهرتم بنا،  والنتيجة غير المنطوقة: كلنا في الهوى سوا!

الانتهاك هو أي ممارسة يعتبرها القانون جريمة يعاقب فاعلها، أو قل هو اعتداء على حقوق يحميها القانون، فالقانون يحمي حق المواطن في الحرية، فإذا أقدمت السلطة أو أحد اشخاصها الطبيعيين أو الاعتباريين على تقييد الحرية تكون بذاك قد ارتكبت انتهاكا.

أي انتهاك يقوم به شخص أو جماعة لا ينبغي تبريره، أكان تم عن جهل أم خطأ.. 

القول إن ما حدث هنا يحدث مثله كثير في مكان آخر، يعني لا بأس بذلك.. ما دام قد حدث هنا فما العجب، ما دام يحدث هناك مثله وأفظع منه وأكثر.

هذه الذرائعية تتضمن حضا على تقبل الجريمة التي ارتكبها فلان بدعوى أن أشخاصا آخرين قد فعلوا مثلها.

الموقف الصحيح أن نقول لا ينبغي القبول هنا بوقوع مثل ما وقع هناك.. وأن المساءلة والعقاب ضروريان في الجهتين أو الحالتين، ولا عبرة بالجهل ولا الاستثناء.. فإن لم تكن مساءلة ولا عقاب هناك لسبب من الأسباب، فينبغي أن يكون مساءلة وعقاب هنا.

الانتهاكات تبقى انتهاكات، والجريمة جريمة، ينبغي التعامل معها بوصفها جريمة.. وينبغي أن تترك جانبا المسائل المتعلقة بالانتماء الجهوي أو السياسي للجاني، وغير ذلك من التحيزات التي لا تفيد القضية، فالجاني يعاقب والمجني عليه ينصف.. لا يجوز السماح للجاني بالافلات من العقاب القانوني، وأما عدم انصاف المظلوم فظلم مضاعف.. كما لا يجوز تحويل أي جرم او انتهاك إلى موضوع تسلية وجدل أو مماحكة سياسية، او استغلاله لتشويه صورة المنافس السياسي، بجريرة أن الجاني محسوب عليه، فهذا النوع من التعامل مع القضايا يثير التعصب ويميع القضايا ويضيع العدالة.