عبدالستار سيف الشميريعبدالستار سيف الشميري

كوارث الإسلام السياسي في تاريخنا الحديث

مقالات

2020-01-13 10:42:33

في البداية يجب التوضيح أن فكرة الإسلام السياسي حديثة تعود للعشرينات، ويجب هنا التنبيه إلى نقطتين مركزيتين:

الأولى، أن تجارب الحكم في التاريخ العربي والإسلامي لم تكن على الطريقة التي أرادها مؤسسو الإسلام السياسي بل كانت دويلات تقليدية لحكم ذي طبيعة دينية يستخدم الفقه كمرجعية من تفاصيل الشريعة الإسلامية ويحاول تقنين ما استطاع منها عبر ما عرف باجتهادات الفقهاء.

ثانياً، كما أن حركة التجديد والتنوير لم تكن إسلاماً سياسياً، بل حركة تنويرية تهدف إلى إيصال التحديث للأنظمة الحاكمة ودفعها للتحديث، وإن استشهاد وعاظ الإسلام السياسي ببعض هؤلاء الرواد وأنهم امتداد عنه، استشهاد باطل يسقط كلما أمعنت بالنظر والدراسة لبعض المجددين 

أو رواد حركة التنوير. حيث تجد أن لا صلة بين الإسلام الحركي ذي الطبيعة الأصولية ونظرية الحاكمية والاستيلاء على الحكم بهؤلاء الرواد وإنما تم استثمار بعض مقولاتهم ونظراتهم استثمارا غير بريئ. 

لقد جاءت فكرة الإسلام الحركي الأصولي الذي يسعى للانقلاب على الأنظمة واستلام مقاليد الحكم وتحويل الدولة إلى خلافة أو دولة تحكم بالشرع لاحقا وهو ما عرف عند أبو العلا المودودي بالحاكمية، وتطور ذلك عند سيد قطب بمجتمع الجاهلية والإسلام في كتاب معالم في الطريق، وقبله تنظيرات البنا ومحب الدين الخطيب وغيرهم، كانت هذه بذور حركة الإسلام السياسي وإن كان المصطلح حديثا ولاحقا لهذه البدايات، حيث تم صناعته في الغرب في موسوعة اكسفورد والشبكات الإعلامية الكبرى، كتوصيف للجماعات التي ترى أن للدين وظيفة أساسية في الحكم وهو ما استنتجوه من شعار الإسلاميين الإسلام دين ودولة، وتعددت المصطلحات التي تقترب من ماهية هذه الجماعات كظاهرة الاسلاموية والإسلام الراديكالي والأصولية وغيرها، وأصبح المصطلح هو السائد لدراسة هذه الظاهرة.

أين تكمن المشكلة؟

مشكلة الإسلام السياسي في جوهرها هو الفرضية التي قام عليها باعتبار أن كل تخلف في الأمة، ثقافيا كان أو اقتصاديا أو علميا وغيره، سببه ومرده هو الابتعاد عن الدين، وأصبحت كلمة الابتعاد عن الدين هي الوصفة السحرية التي يقدمها وعاظ ومنظرو الإسلام السياسي كحل لكل الأزمات، وأصبح شعار الإسلام هو الحل شعارا براقا تم به استقطاب كل الجماهير الغاضبة من حال وواقع الشعوب والدويلات الإسلامية، وبهذا الشعار تم غواية الملايين من قصار العقول واستغلال الجهل والعاطفة الدينية التي تشبعت بها المجتمعات الإسلامية لأكثر من ألف عام.

وبالفعل تم استقطاب الملايين من البشر وأصبحوا قطيعا كبيرا صارخا يتطلع إلى حكم الجماعات الدينية وينظر إليها كمخلص لكل همومه وأوجاعه.

التنظيم كان الحامل للفكرة

استطاعت جماعة الإخوان المسلمين في مصر وفروعها في باكستان وغيرها تسويق الفكرة، لا سيما وقد أصبحت جماعة حركية منظمة تدار بمبدأ السمع والطاعة وسلطة الدين القطعية، وترسخت الفكرة بتقادم الزمان وغياب مشاريع أخرى بديلة وإخفاق تجارب اليسار واليسار القومي في البلدان العربية والإسلامية، وبدل البحث عن تجارب ناجحة في الغرب أو استحداث تجارب من واقعنا أصبحت فكرة الإسلام السياسي هي الأكبر والأوفر حظا.

وهي الخطيئة الكبرى التي وقعت فيها شعوبنا العربية، حاولت بعض الأنظمة مقارعة هذه الفكره كما كان في عهد التجربة الناصرية وربما نجحت أمنيا لكنها فشلت أيديولوجيا، فلم تواكب الحرب الأمنية موجة ثقافية وفكرية للمجتمعات والفئات الدنيا بل تركت كي تفترسها موجات الادلجة للإسلام السياسي.

دور النفط المفصلي

لاشك أن الطفرة النفطية في الخليج قد أسهمت في ذلك من غير وعي، وأصبحت تدفقات المال وصناعة المؤسسات والجمعيات وطباعة الكتب ظاهرة كبرى وصاعقة عملت على ارتداد المجتمعات الإسلامية وتشبعها بكل غثائيات الإسلام السياسي والأفكار الوهابية، وتفرخت الجماعات وتعددت وتلونت وتحولت من أفكار إلى أعمال وتمظهرات عنف وقتل وإرهاب عانت منه كل الدول بدون استثناء.

لقد استثمر الإسلام السياسي في المقدس وأقاموا منه صرحا لمشروعهم الخيالي المزعوم، ولكن من حسن الحظ أنهم نجحوا في استقطاب القطيع وفشلوا في تجاربهم في الحكم في كل الدول التي وصلوا أو شاركوا فيها في الحكم، وظهر حجم أكذوبة وشعار الإسلام هو الحل والحاكمية، وظهر كم هم فقراء لأبسط بديهيات الحكم في السياسة والاقتصاد.

ومع هذا الفشل ذهبوا للصدام والمواجهة بدل المراجعة والاعتراف والاستفادة، وفي خلال ذلك الفشل أصبحوا جماعات طيعة لدوائر الاستخبارات الكبرى في أمريكا بريطانيا وألمانيا للاستفاده منهم في تنفيذ أجنداتها ومصالحها، وظهر ذلك جليا في أفغانستان حيث استخدمت أمريكا كل ألوان الإسلام السياسي في حربها مع الاتحاد السوفييتي، في ظاهرة تستحق التأمل والدراسة وغير ذلك الكثير من الأمثلة التي تتعدد وتتنوع لمثل هذا التطويع والاستخدام.

ومع ظهور دولة الخميني في إيران كأحد تمظهرات الإسلام السياسي في جناحه الشيعي كان الأمر أكثر وضوحا لمأزق هذه التجربة التي تحول الشعوب إلى فقراء وبؤساء وتذهب بعيدا عن طموحاته وأصبح الإيرانيون يترحمون على عهد الشاة بكل فساده، وهكذا الأمر مع طالبان والجزائر ومصر واليمن والسودان وغيرها لاحقا.

الربيع العربي

كانت فرصة الربيع العربي الغاضب فرصة ثانية وثالثة للإسلام السياسي حين استغل جسمه الكبير للسطو على تطلعات الشعوب وحولها إلى ساحات للصراع والسطو وعجز عن تقديم نموذج ولو بسيط في أي مجال يشفع له.

وظهرت الفجوة بين التصورات وتطبيقاتها كما ظهر الإفلاس في البدائل وأن الأمر لا يزيد عن شعارات جوفاء لا معنى لها في الواقع. وتكشفت للسطح صور النفاق والتناقض، وأدركت بعض النخب والطبقة الوسطى حقيقة ما كان يطرحه بعض المتنورين عن الإسلام السياسي وأنه وهم سيزول عند أول محطة ومحك للتجربة، وأن سقوطه حتمي، وأنه أبرز مظاهر مشكلتنا كشعوب فاتها ركب التقدم.

 

وصدقت تنبوءاتهم بأن الإسلام السياسي وجماعات الدين سنة وشيعة هم من يزرع بذور التخلف والحروب والنفاق ولا يزال هو المد الأساسي لتخلفنا ومشاكلنا العريضة وأول الحلول هو إنقاذ الأجيال من هذه البذور الشيطانية. 

ما الحل؟

اليوم لا تزال ظاهرة الإسلام السياسي تطل برأسها رغم الفشل وانحسارها شعبيا وليس من السهل تجاوزها وملاحقة آثارها وبذورها التي انتشرت كسرطان في جسد الأمة وكعامل هو الأبرز لتخلفنا وحروبنا حتى ونحن هنا لا نقدم نبذة تاريخية عن الإسلام السياسي وإخفاقاته بقدر ما نوجه جرس إنذار لتعاضد جبهة الوعي الجمعي للشعوب للخلاص ليس إلا.

وإن كان الخلاص يستلزم نشاطا عسكريا وأمنيا فهو يستلزم تعبئة ثقافية وجرعات وعي مكثفة بالمنطق والدلائل من تاريخ هذه الجماعات ولنا في اليمن أبرز النماذج متمثلا في الإخوان والحوثي والقاعدة. 

إن تفكيك ودراسة ظاهرة الإسلام السياسي خلال مائة عام وهو لب تاريخنا الحديث يقدم شواهد ماثلة جديرة بالدراسة والتبسيط ينبغي تقديمه من النخب إلى الشباب كي لا يقعوا كما وقع الذين من قبلهم في مصيدة القطيع الذي يستخدمه قادة الإسلام السياسي لتضليل الشعوب وجرها إلى مستنقعات التخلف والحرب والمواجهة وتفريغ طاقاتها وتحويلها إلى طواحين هواء تحارب المجهول وتفتك بالشعوب وتطلعاتها.

ما نحتاجه اليوم موجة تحرر حقيقية ليس من الاستعمار الخارجي ولكن الاستعمار الداخلي ويمثل الإسلام السياسي (سنة وشيعة) مثالا حيا له دون أي غموض.

ولعل ما عبر عنه الشاعر البردوني حينما قال:

ومن مستعمر غاز

إلى مستعمر وطني

شيء من هذا الفهم العميق، ولعلنا نعود لنكشف وجها آخر من وجوه الإسلام السياسي، وتأثيره في تشظي الشعوب وتخلفها في مقالات قادمة.

-->