محمد عزان

محمد عزان

تابعنى على

جناية التَّمذهب على النص الديني

السبت 20 يونيو 2020 الساعة 11:30 ص

من خلال حواراتنا في اليومين الماضيين حول الموروث المذهبي وجدت أن كثيرا من المهتمين بالشأن الديني يخلطون بين النص الديني والموروث المذهبي، مما أدى إلى شك في الدين أو تطرف فيه، يظهر عند الشَّاك على شكل استهتار بالشريعة وقِيَم الدين، وعند المتطرف على شكل غلو في الموقف وتطرف في التمذهب، ولا شك أن لكل ذلك انعكاسا مباشرا في حياتنا.  

لذلك نحتاج إلى كتابات راشدة ودراسات جريئة، تحقق في "جناية التَّمذهب على النص الديني"، بحيث تحرر النص الديني من التوظيف المذهبي، وتتعامل مع المذاهب كقراءات للنص لا بديلًا عنه.

وهذا -دون شك- سيزعج المتمذهبين من مختلف الاتجاهات؛ لأن كل فريق قد اختزل الدين في مذهبه ولم يعد يرى الدين إلا فيما هو عليه.

ايامكم مشرقة بـ{وأن هَذَا صِرَاطِي مستقيمًا فَاتَّبِعوه ولا تتبعوا السُّبُلَ فَتفرَّق بكم عن سبيله ذلكم وَصَّاكُمْ بِه لَعَلَّكُمْ تتقون}

* * *

مصادر التشريع الديني:

اتفق المسلمون في أن الله أرسل النبي محمدًا بالقرآن ليبلغه ويُبيّنه، فقال: {وانزلنا إليك الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نزِّل إليهم وَلَعَلَّهُمْ يتفكرون} وأكد بأن {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ ربكم وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أولياء}. 

وعمَّد ذلك بـ{وَمَنْ يُطِعِ الله ورسوله فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}، ولم يضف إلى ذلك لا أهل بيت ولا عترة ولا صحابة ولا سلف. وعلى ذلك مضى الجيل الأول من المسلمين.

بعد مئة سنة من وفاة النبي صلوات الله عليه ظهرت ثلاث جماعات:

❶ الجماعة الأولى قدمت (أقارب النبي الذين يصفونهم بأهل البيت) على أنه يتعين الأخذ بما قرروا، وسمَّوا أنفسهم "شيعة"، واحتجوا بأن النبي قال: «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي». 

وهذا الحديث أصله في كتب أهل السنة، ولكن الصحيح منه بلفظ لا يفيد ما ذهبوا إليه من اقتران أهل البيت بالقرآن في الهداية.

❷ الجماعة الثانية قدّمت (السلف من الصحابة والتابعين) وقرروا أن فهمهم وما مضوا عليه هو الصورة الوحيدة للدين ولا يصح لأخذ بسواه، وسمَوا أنفسهم "أهل السنة".

وفي ذلك قال الإمام أحمد بن حنبل: «أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله، والاقتداء بهم». وأكد شمس الدين الذهبي: أن «أئمة أهل السنة هم السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم، فعلى علمهم وفهمهم يُعَوّلون وعن قولهم يُصْدِرون».

الجماعة الثالثة، رأت أنه لا بد من الاستفادة من منهج الاستدلال العقلي المنطقي المُستوحى بعضُه من المنهج الاستدلالي في القرآن، وبعضه من تجربة الفلاسفة، وهؤلاء صاروا يعرفون بمدرسة «أهل العقل» أو المعتزلة، واحتجوا لذلك بأن القرآن أمر بالتفكر وإعمال العقل.

واحتج بعضهم بما روي أن رسول الله أقر معاذ بن جبل على أن يحكم بكتاب الله أو بسنة رسول الله أو يجتهد رأيه.

فهذه كانت بداية التمذهب، وأساس الآليات التي تم إضافتها للتحكم بالنص الديني (القرآن وسنة النبي)، حيث أخضعهما الشيعة لما مضى عليه أهل البيت، وأخضعهما أهل السنة لما مضى عليه السَّلف، وأخضعهما المعتزلة لتقدير العقول، وبذلك تفرق الدين بين سلف أهل السنة وعترة الشيعة ومزاج المعتزلة.

▪والمخرج في تقديري يتمثل بالعودة إلى (القرآن) كأصل للرسالة و(السنة) كبيان لها، مع تقدير دور العقل واحترام ما يُروى عن السلف من الصحابة وأهل البيت والتابعين، كاجتهادات، دون أن تكون مُلزمة لنا بشيء، لا في ديننا ولا دنيانا.

ومن أراد ان يلتزم بشيء منها فله ذلك، ولكن على خصوصية نفسه، لا يَفرضه علي غيره ولا نُجبره نحن على تركه.  

وفق الله الجميع لكل خير، وأصلح شأن المسلمين، وكفانا شر الفتن.

* جمعه نيوزيمن من منشورات للكاتب على صفحته في الفيس بوك