عادل الهرش

عادل الهرش

تابعنى على

دبلوماسية الصورة.

منذ ساعة و 16 دقيقة

الله يرحمك يا تنباكي…

لو كنت حيًّا اليوم، لكنا وجدناك واقفًا في الصف الأمامي لالتقاط “صورة” مع أحد سفراء الدول.

في أيام الدولة والجمهورية، كان السفير الأجنبي في اليمن شبحًا دبلوماسيًا أنيقًا: لا يُرى ولا يُسمَع اسمه إلا حين يلتقي رئيس الجمهورية اونائبة أو رئيس الوزراء، أو يحضر مناسبة عظيمة، أو عندما يُنجز عملًا رفيع المستوى يُقاس أثره بالسياسة والحنكة الدبلوماسية.

أمّا اليوم، فقد صار السفير نجم منصّات، وهاوي ظهور، حتى باتت شخصيته مألوفة لذاكرة الأطفال قبل أن تحفظها دفاتر البروتوكول.

لقد انقلبت وظيفة بعض هؤلاء السفراء – لا كلّهم – من تمثيل دولة إلى تمثيل صورة، ومن تفاوضٍ صامت إلى ضجيج فلاتر، ومن عملٍ دبلوماسي وسياسي جاد إلى اشبه “بجلسة تصوير”.

بعضهم قرر أن الدبلوماسية مُرهِقة، وأن الطريق الأسهل هو إسقاط الواجب عبر صورة لا تسأل عن ملفات، ولا تُحاسِب على مواقف، ولا تُطالِب بخارطة طريق.

الصورة تُصفّق لك فورًا، وتمنحك جمهورًا بلا أسئلة، وتُلبسك ثوب “التواضع” و”الإنسانية” المعلّبة.

صار السفير يتجوّل بين الشعراء كناقد أدبي، وبين الناشطين كحقوقيٍّ ثوري، وبين الإعلاميين كمحلّل استراتيجي… كل ذلك دون أن نرى أثرًا ملموسًا لبلاده على الأرض.

مشاريع؟ غائبة.

مبادرات؟ مؤجَّلة.

ضغط سياسي؟ مُغلّف بصورة عابرة.

والأطرف أن بعضهم يتعامل مع الصورة بوصفها سياسة مكتملة الأركان:

إذا غضب الشارع، التقط صورة تعاطف.

وإذا احتدم النقاش، ابتسم ابتسامة حياد.

وإذا سُئل عن موقف، قال: “نحن نراقب الوضع عن كثب ونشعر بالقلق”ويرفقها بنشر صورة.

سعادة السفراء الاجلاء في بلادنا المنهكة خذوها نصيحة مجانية من احد ابناء الشعب اليمني .

ضعوا الهواتف جانبًا… فالدول لا تُدار بعدسات الكامرا والدبلوماسية ليست معرض صور، والسفير ليس “مؤثّرًا” يبحث عن ترند. ووظيفة السفير هي أن يعمل في صمت، وأن يُنجز في الخفاء، وأن يظهر فقط عندما يكون للظهور معنى سياسيٌّ ونفع حقيقي. أمّا حين تتحوّل السفارة إلى استوديو، والبيان إلى تعليق، والموقف إلى لقطة فلكلورية، فنحن لا نكون أمام دبلوماسية، بل أمام هواية شخصية مموّلة باسم الدولة.

وحسبنا الله ونعم الوكيل...