د. علي النعيمي

د. علي النعيمي

تابعنى على

من يقصف وطني اختار ان يكون عدوي

Monday 09 March 2026 الساعة 11:38 pm

في الأوقات العادية قد تتسع مساحة الاختلاف في الرأي، ويظل الجدل السياسي جزءاً طبيعياً من الحياة العامة. لكن حين يتعرض الوطن لعدوان مباشر، تتغير طبيعة الأسئلة كلها. لا يعود النقاش حول التفسير أو التأويل، بل حول الموقف ذاته. فحين يُقصف الوطن، تُختبر حقيقة الانتماء، وتنكشف الحدود الفاصلة بين المواقف.

في مثل هذه اللحظة تسقط كل المساحات الرمادية. المعادلة تصبح واضحة في أبسط صورها: من يقصف وطني لا يمكن أن يكون صديقاً. من يطلق الصواريخ على أرضي ويستهدف أمن مجتمعي واستقرار حياتي يضع نفسه في موقع العدو، مهما حاول أن يغلف ذلك بخطاب سياسي أو تبريرات إعلامية. هذه ليست مسألة انفعال عاطفي، بل قاعدة مستقرة في منطق الدول وفي وعي الشعوب عبر التاريخ.

لهذا، لا معنى للحديث عن صداقة مع من يقصف وطنك. الصداقة في العلاقات بين الدول لا تُقاس بالكلمات، بل بالفعل. والدولة التي تسمح لنفسها أن تعتدي على سيادة دولة أخرى أو تستهدف مدنها وأمن مجتمعها تكون قد حسمت موقعها بوضوح. الفعل هنا هو الحكم، وكل ما عداه محاولة لتخفيف وقع الحقيقة.

المواطن الإماراتي يدرك هذه المعادلة ببساطة ووضوح. فالوطن بالنسبة له ليس شعاراً يُرفع في المناسبات، بل حقيقة يعيشها يومياً. الإمارات لم تُبنَ بالخطابات، بل بإرادة رجال ونساء آمنوا بأن أمن الدولة واستقرارها هو الأساس الذي يقوم عليه كل شيء آخر: التنمية، والازدهار، والحياة الكريمة التي ينعم بها الجميع اليوم.

ومن هنا يصبح الموقف من العدوان معياراً حقيقياً للوطنية. فالوطنية لا تُختبر في أوقات الرخاء فقط، بل تظهر بوضوح في لحظات التحدي. إذا لم تكن مع وطنك عندما يتعرض للعدوان، فأنت عملياً تقف في المساحة التي يستفيد منها المعتدي، حتى وإن حاولت تجنب قول ذلك صراحة. التاريخ يعلمنا أن أخطر ما يواجه الدول ليس الهجوم الخارجي وحده، بل ارتباك المواقف الداخلية عندما يكون الوضوح مطلوباً.

الوطنية ليست شعاراً، بل موقف. موقف واضح من كل من يهدد أمن الوطن أو يحاول الاعتداء عليه. في مثل هذه اللحظات تتحدد المعايير ببساطة: مع الوطن أو مع من يعتدي عليه. ولا توجد منطقة رمادية بينهما.

وفي مثل هذه اللحظات أيضاً تتضح معاني الصداقة الحقيقية بين الدول. فالأصدقاء والأشقاء لا يُقاسون بالبيانات الدبلوماسية وحدها، بل بمواقفهم حين يتعرض وطنك للخطر. الطبيعي أن يقف الصديق معك بوضوح، وأن يدين العدوان عليك دون تردد، لأن استهداف أمنك هو استهداف للاستقرار الذي نتقاسمه جميعاً. أما الأشقاء، فموقفهم يتجاوز المجاملة السياسية إلى ما هو أعمق: تضامن صادق يعكس وحدة المصير وحقيقة الروابط التي تجمعنا. في مثل هذه اللحظات لا يبحث أحد عن الأعذار، بل عن المواقف.

لقد علمتنا تجربة الإمارات منذ قيام الاتحاد أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدراتها العسكرية أو الاقتصادية، بل بصلابة جبهتها الداخلية. هذه الصلابة هي التي جعلت الإمارات قادرة على مواجهة التحديات بثقة، والاستمرار في مسار البناء والاستقرار رغم ما يحيط بالمنطقة من اضطرابات.

وحين يُقصف الوطن، تتجلى هذه الحقيقة بوضوح أكبر: المواقف هي التي تحدد المواقع. موقفك ممن يقصف وطنك هو الذي يكشف موقعك الحقيقي. ففي لحظات كهذه لا يتقدم على الوطن شيء، ولا يعلو على أمنه واستقراره اعتبار. هنا يصبح الانتماء واضحاً، وتصبح الوطنية موقفاً لا يحتمل الالتباس .

من صفحة الكاتب على إكس