د. علي النعيمي

د. علي النعيمي

تابعنى على

السيادة والقرار الوطني

منذ ساعة و 8 دقائق

لا يُفهم قرار دولة الإمارات بشأن الانسحاب من منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) إذا حُصر في حسابات الإنتاج أو تقلبات الأسعار. هذا النوع من القرارات يكشف كيف ترى الدولة نفسها، وكيف تعرّف مصالحها، وكيف تختار موقعها في عالم يتبدّل بسرعة ولا ينتظر المترددين.

في التجربة الإماراتية، لم يكن النفط هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة ضمن مشروع أوسع. منذ البدايات، كان واضحاً أن بناء الدولة لا يمكن أن يقوم على مورد واحد، ولا على إطار يقيّد حركتها. لذلك جاء الاستثمار في الإنسان، والبنية التحتية، والاقتصاد المتنوع، باعتباره الضمان الحقيقي للاستقرار والقوة. هذه الخلفية هي التي تمنح القرار معناه؛ ليس خطوة منفصلة، بل امتداد لمسار طويل من إعادة تعريف الدور والقدرة.

الإمارات اليوم لا تتحرك داخل قطاع الطاقة بوصفها منتجاً تقليدياً، بل كدولة تدير منظومة متكاملة تمتد من النفط والغاز إلى الطاقة النظيفة، ومن الاستثمارات العالمية إلى التكنولوجيا المتقدمة. في هذا السياق، يتغيّر السؤال. لم يعد الأمر مرتبطاً بحجم الإنتاج، بل بقدرة الدولة على إدارة مواردها ضمن رؤية شاملة، وعلى توجيه هذه الموارد لخدمة موقعها الاقتصادي والسياسي في المستقبل.

ومن هنا، فإن الانسحاب لا يُعبّر عن ابتعاد عن التعاون، بل عن رغبة في امتلاك مرونة أكبر في اتخاذ القرار. العالم لم يعد يُدار بالتكتلات وحدها، بل بقدرة الدول على التحرك السريع، وعلى قراءة التحولات قبل أن تفرض نفسها. والإمارات أثبتت في أكثر من محطة أنها لا تنتظر الظروف، بل تعيد تشكيل خياراتها بما يتناسب مع طموحها.

هذا القرار يعكس أيضاً ثقة عميقة في متانة الاقتصاد الوطني. فالدولة التي نجحت في تقليل اعتمادها على النفط، ووسّعت مصادر دخلها، وبنت حضوراً عالمياً في مجالات متعددة، تملك القدرة على اتخاذ قرارات سيادية دون أن تكون أسيرة لاعتبارات آنية أو ضغوط ظرفية. السيادة هنا ليست شعاراً، بل ممارسة قائمة على حسابات دقيقة وقدرة على إدارة النتائج.

وفي الوقت نفسه، لا يعني ذلك الانكفاء أو الانفصال عن النظام الاقتصادي العالمي. على العكس، هو إعادة تموضع أكثر تقدماً داخله. الإمارات لا تغادر موقعاً لتفقد تأثيرها، بل لتعيد توزيعه بما ينسجم مع مصالحها بعيدة المدى. هي دولة تعرف أين تقف، وأين تريد أن تصل، وتتحرك وفق ذلك بوضوح وثبات.

الرسالة التي يحملها هذا القرار تتجاوز قطاع الطاقة. هي رسالة عن دولة تقرأ المتغيرات بوعي، وتبني قراراتها على ما يخدم مستقبلها، لا على ما تفرضه اللحظة. دولة ترى في الاستقلالية أداة لتعزيز الشراكات، لا بديلاً عنها، وفي المرونة قوة، لا مخاطرة.

في النهاية، هذا هو النهج الإماراتي كما تشكّل عبر السنوات: المصالح الوطنية أولاً، لكن ضمن رؤية منفتحة على العالم؛ قرارات محسوبة، لكنها جريئة؛ حركة هادئة، لكنها واثقة. الإمارات لا تنتظر أن تُعرَّف، ولا أن يُحدَّد لها دورها، بل تصوغه بنفسها، وتمضي.

من صفحة الكاتب على إكس