قدِم إلى المخا في الخمسينات وأصبح من وجهائها: عبدالحق.. جار الأصنج وهائل سعيد وكافل المشرَدين

@ المخا، نيوزيمن، إسماعيل القاضي: تقارير

2020-07-27 12:47:15

سلسلة حلقات عن وجوه عاصرت المخا (1)

تاريخ المدينة حافل بوجوه عظيمة وشخصيات عظام، سطروا زمناً جميلاً ليكونوا ممن خلدتهم المدينة، بمرور مرحلتها الخالدة فاتحة ذراعيها لكل من التجأ لها باحثاً عن الأمن أو الاستثمار ومنحتهم كل شيء.. 

سنبحث في عمق الزمن ونغوص في تاريخها، نستذكر الأسماء والشخصيات التي عاصرت المدينة وازدهارها. وعبرت منها إلى عوالم مختلفة.. من استقرت، ومن غادرت. 

عنوان حلقتنا رجل قدم إلى المدينة وأصبح واحداً ممن تستذكرهم بكل ود وخير.. "عبدالحق عبدالعزيز الشرعبي".

قدم في مطلع الخمسينات من القرن الماضي من شرعب على ظهر حمار، كانت هي وسيلة المواصلات والتجارة في ذلك الحين.

وجد الرجل في المدينة ضالته حيث كانت في الخمسينات تعيش ازدهاراً وحركة نشطة لحركة السفن ونقل البضائع، وتصديرها. 

بدأ في ممارسة البيع والشراء، حيث جلب من شرعب الرونة بضاعة السمن والعسل الحبشي، كانت تجارة رابحة، ثم أنشأ مصنعاً للطوب الأحمر، كانت أكثر البيوت في المخا تُبنى منه..

وسّع القادم الجديد في المدينة نطاق استثماره المتنامي بصورة كبيرة، عمل على توصيل التيار الكهربائي إلى المدينة عبر مولدات كهربائية والاستثمار في ذا الجانب الذي كان ينقص مدينة القهوة والبن. 

عندما اعتلى الحمدي كرسي الرئاسة في الجمهورية العربية اليمنية قررت حكومته بناء محطة كهربائية، لكنها بدأت بشراء شركة القائمة "الحاج عبدالحق". 

وعند اكتمال مشروع المحطة البخارية في المخا في عهد الرئيس الراحل علي عبدالله صالح في مطلع الثمانينات، منحت الحكومة مولدات "الحاج" إلى مديرية ذباب. 

اشترى أراضي في منطقة الممالح بجوار البحر ليستثمر في إنتاج الملح، ووظف عدداً من الأهالي العاملين في القطاع الملاحي. 

جانب عن سيرته الخيرية

من مآثر عبدالحق أنه فتح إحدى بيوته التي كانت معلماً في المدينة لإيواء المجانين والفقراء وعابري السبيل، كان يفرش مائدته لهم، مليئة بالأكل والشرب والملابس، وفي أيام كثيرة كان يتولى بنفسه خدمتهم وإطعامهم بيديه..

يذكر أحد أبنائه أن مجنوناً وجد سكيناً وحاول طعن "الوالد" من الخلف، ولكن ابنه كان في الموعد وأنقذ والده.. لكنه، غاضباً، عنف المجنون وأراد ضربه فنهره "الوالد عبدالحق" وقال له "مجنون كيف تضرب مجنون"؟

كانت له مزرعة اشتراها في الكدحة لمزارعتها وبيع محصولها، فجاء له شخص من لحج الجنوب قبل الوحدة، وللمخا علاقة كبيرة بلحج وحضرموت وشبوة، وفيها تسكن كثير من عائلات هذه المناطق..

جاءه اللحجي هارباً من الصراع السياسي، فآواه الحاج عبدالحق وأعطاه المزرعة يزارعها ويأكل منها له ولأولاده لمدة تقارب الثلاثين عاماً، وحين توحدت اليمن ترك الرجل المزرعة ورجع إلى بلاده، شاكراً صنيع عبد الحق، داعياً له بالرحمة. 

علاقته التجارية

كان عبدالحق رجلاً يحب الناس إقامة العلاقات التجارية معه، فيأتي التجار إليه ويتعامل معهم ويتبادل معهم التجارة والمشورة، كونه مستثمراً له باع في المخا. وكان صديق الحاج هائل سعيد أنعم بالمخا، وفي تلك الأيام كان الحاج هائل سعيد في بداية حياته وعمله الاستثماري كرجل أعمال، وتجاور الرجلان في المخا ولا تزال منازلهما التي نجت من الانهيار بجوار بعضها إلى الآن.. 

كان عبدالحق الشرعبي وفياً للمخا يساعد ضعيفهم ويتصدق للفقير، وقد بنى مسجد الرحمة قبل توسعته بجوار منارة صندل مطلاً على البحر ومتوسطاً لأهم شوارع المخا.

ومن العجيب في تاريخ المخا أنها عاشت فترة زاهية شهدت فيها النادي والمركز الثقافي ودار السينما والمسجد في مربع واحد.

عاش عبد الحق الشرعبي وفياً للمدينة ولقريته الحجر الغربي بشرعب الرونة، محباً للخير، يتحدث عن مدينة منحته المال ومنحها حباً كبيراً، حتى إنه أوصى بدفن جثمانه قرب ولي المدينة الشاذلي وجامعها. 


مغترب يتذكر مخا السبعينات: المسجد والسينما وريال هايل سعيد

توفي عبدالحق عبدالعزيز الشرعبي عن عمر ناهز 65 عاماً عندما وافته المنية في جمهورية مصر العربية بعد عودته من رحلة علاجية للولايات المتحدة الأمريكية، متأثراً بمرض الكلى الذي ألمّ به ودفن في المدينة عام 1986م بجوار ولي المدينة الشاذلي، فيما توزع أبناؤه وبناته الآفاق، ولم يبق في المخا غير المرحوم "مصطفى"، الذي سنفرد له قصة أخرى بين قصص آثار ومآثر المخا العريقة..

وستظل المدينة سخية لكل من يأتيها طالباً الأمن والسلام، تخلد من مر منها وترك بصمته حتى اليوم كهذا الرجل..