محمد العلائي

محمد العلائي

تابعنى على

لماذا لم يتفلسف اليمني؟

منذ 39 دقيقة

اعتقدت في الماضي بالرأي الغبي الذي يقول إن الشقاء يُنضج الفكر.

لو كان ذلك صحيحاً، فليس هناك من هو أشقى منا في هذه البلاد، لكن بلا نضج في الفكر والعمل يكفي للعيش معاً بسلام. 

ربما يصحّ هذا الرأي على الأفراد دون المجتمعات. 

والجاحظ يؤيد هذا المعنى بقوله: "من احتاج تحركت همّته وكثر تنقيره. وعيب الغنى أنه يورث البلدة، وفضيلة الفقر أنه يبعث الفكر".

لكن، في حياة اليمني الفقير البائس، ما أكثر الأشياء غير المفهومة وغير المفسَّرة!

فهو يعاني صنوفاً من المتاعب والآلام التي يجهل عللها، فهي تكدّر عقله بالأسئلة الثقيلة، وتطالبه بالتحري في أصلها، والبحث عن الأسباب القريبة والبعيدة!

وطوال الوقت ينتقل من لماذا إلى لماذا، والأجوبة إما ناقصة أو سخيفة أو لا جواب على الاطلاق.

فكل سؤال يُنبت أسئلة، وكل لغز ينقلك إلى مغارة من الألغاز.

اليمن قضية لا بلاد.

عقدة دائمة تتحدى العقل، وتستدرجه إلى التعامل معها، ثم تتركه غارقاً في التيه والعجز. 

ولهذا تجد اليمني يفسّر مشكلاته ومتاعبه بالشيء ونقيضه. 

ينتقل من تفسير إلى آخر في زمن قصير بلا توسط ولا اعتدال.

وفرة في الأسئلة والإشكالات والألغاز يقابلها نقص في التفكير المنظم، وضعف في الملكات العقلية، وهو ما يؤدي إلى عجز متسلسل في التعليل والتفسير والبرهنة والنفي والإثبات والاستدلال، وعجز عن النظر الصحيح في الظواهر والأعمال والأقوال، وعجز في الفهم وفي الحكم تصويباً أو تغليطاً، بالتحسين أو التقبيح.

هذا النقص، وهذا العجز، يحتاج هو الآخر إلى تعليل وتفسير.

لماذا فشلنا في امتلاك نموذجنا التفسيري ونظريتنا المعرفية والأخلاقية المطابقة لوضعنا الخاص، والموافقة لحدوده وإمكاناته ومَواطن القوة والضعف فيه؟

حسب علمي لم يُنجب اليمن عبر تاريخه فيلسوفاً واحداً بالمعنى المتعارف عليه للفلسفة. 

أنجب في العصر الإسلامي مؤرخين جغرافيين شعراء فقهاء، لكن لا فيلسوفاً واحداً يمكن أن يُشار إليه بهذه الصفة.

بماذا نفسر غياب صناعة الفلسفة في اليمن أو في أي مكان آخر؟ 

يرى هيجل أن ظهور التفلسف مرتبط بوجود درجة معينة من الثقافة العقلية، وحياة مادية متوفرة كتلك التي تيسرت لـ أرسطو. 

فالفلسفة، كما يقول، "هي نشاط حُر، غير نفعي، إنها حرة، فبعد زوال قلق الحاجة، تُعزِّز الروح بذاته، ترفعه وتثبّته، إنها لون من ألوان الاستمتاع، وهذه الكلمة معناها تلك الأفراح والشواغل التي لا تتوقف على ضرورات خارجية"، (هيجل، محاضرات في تاريخ الفلسفة، ص43).

أفهم من هذا أن مثل هذه الأفراح والشواغل الرفيعة لا يمكن أن تُوجَد مع قلق الحاجة، مع النقص الحاد في ماديات الحياة، فالتفلسف نشاط غير نفعي، بمعنى أنه ليس سبباً لطلب منفعة، لأن من يقوم به مستغني عن طلبها. 

نعني بالتفلسف تعليل الأشياء، الثابت منها والحادث. ‏

يقول الكِندي إن "غرض الفيلسوف في علمه إصابة الحق، وفي عمله العمل بالحق".

‏ويقول إننا لن نجد مطلوباتنا من الحق من غير علة، وعلم العلة أشرف من علم المعلول، لأنّا إنما نعلم كل واحد من المعلومات علماً تاماً إذا أحطنا بعلم علته.

قديماً كان المؤرخ صاعد الأندلسي (توفي 462 هجربة) قد تحدث في كتابه "طبقات الأمم" عن إهمال أهل اليمن وسائر عرب شبه الجزيرة قبل الاسلام العناية بالفلسفة والعلوم، دون أن يعطي تعليلاً جامعاً لهذا الإهمال.

يقول: "ولم تكن ملوك حمير معتنية بأرصاد الكواكب ولا باختيار حركاتها ولا بايثار شيء من علوم الفلسفة وكذلك كان سائر ملوك العرب في الجاهلية ولم يبلغنا عن احد منهم انه بحث عن شيء من ذلك"، (صاعد الأندلسي، "طبقات الأمم"، ص 42).

ثم يقول متحدثاً عن العرب في العصر الإسلامي: "وأما علم الفلسفة فلم يمنحهم الله منه شيئا، ولا هيّأ طباعهم للعناية به، ولا أعلم أحدا من صميم العرب شهر به إلا أبا يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي وأبا محمد الحسن بن أحمد الهمداني"، (صاعد الأندلسي، "طبقات الأمم"، ص 45).

من الواضح أن صاعداً أراد بقوله "صميم العرب" عروبة النّسب والأرض (شبه الجزيرة العربية) لا عروبة اللسان التي اتسعت باتساع الدولة الإسلامية.

لكن صاعد الاندلسي بعد أن نفى عن العرب العناية بعلم الفلسفة استثنى منهم الكِندي والهمداني فقط، متجاهلاً أسماء كبيرة لامعة كـ ابن المقفع والفارابي وابن مسكويه وابن سينا وغيرهم، 

ذلك أنهم في نظره -بل وفي نظر الكثير من الباحثين والمؤرخين حتى اليوم- "فلاسفة مسلمين" من أعراق غير عربية وإن كانوا قد تفلسفوا وكتبوا باللغة العربية.

وكان الجاحظ قد قدم تفسيراً معقولاً لاشتغال قدماء اليونان بالتفلسف أكثر من غيرهم، حيث أعاد ذلك إلى رعاية الملوك للفلاسفة، فهو يقول:

"ألا ترى أن اليونانيين الذين نظروا في العلل لم يكونوا تجاراً ولا صناعاً بأكفهم، ولا أصحاب زرع وفلاحة، وبناء وغرس، ولا أصحاب جمع ومنع وكد. وكانت الملوك تُفرِّغهم، وتجري عليهم كفايتهم، فنظروا حين نظروا بأنفس مجتمعة، وقوة وافرة، وأذهان فارغة، حتى استخرجوا الآلات والأدوات، والملاهي التي تكون جماماً للنفس، وراحة بعد الكد، وسروراً يداوي قرح الهموم".

في القرن الماضي، وقف عباس محمود العقاد أمام هذا السؤال عن السبب الذي جعل المجتمع اليوناني القديم يعتني بالفلسفة والعلوم النظرية، مقابل إهمالها في مجتمعات الشرق ومصر وبلاد ببن النهرين. 

أعاد العقاد السبب إلى اختلاف الواقع السياسي هنا وهناك، وهو اختلاف عرضي ناتج بدوره عن اختلاف البيئات والظروف الطبيبعة. 

فليس للأمر علاقة بتفوق جوهري في العنصر اليوناني.

وأما العامل السياسي، وفقاً للعقاد، فهو أن بلاد اليونان كانت متحررة من قيود الدولة والدين، إذ لم تشهد قيام دولة قوية ومؤسسات للكهانة تابعة لها تستحوذ على انتاج الحقيقة وتعمل على توجيهها وجهة دينية أسطورية مشابهة لتلك الصروح السياسية والهيئات الدينية التي قامت في الشرق وخصوصاً الوديان النهرية الخصيبة، (غالباً يقصد مصر والعراق). 

ثم يقول العقاد إن الإغريق مضوا في بحوثهم "طلقاء من قيود الدولة والدين، وتيّسر لهم ما تعذر على غيرهم لهذا الفارق العرضي، لا لفارق في تركيب العقول وعناصر التفكير". 

وبحسب العقاد، فقد تهيأت للفلسفة في اليونان هذه الفرصة مدة زمنية لا تزيد عن ثلاثة قرون هي المدة التي ظهر فيها أعمدة الفلسفة العظام، ثم "انقضى عصر الفلسفة اليونانية أمام صدمة مقدونية وأخرى رومانية، وعاش الإغريق بعد ذلك في بلادهم دون أن يظهر منهم فيلسوف واحد إلى هذه الأيام".

ويقول أن من ضروب التجني اتهام العقل العربي بالعجز عن التفلسف بحال من الأحوال، ثم يخلص إلى أن "الرأي السليم الذي يقبله المنطق والعلم على السواء أن موانع الفلسفة واحدة؛ حيث كانت الأمة من مواقع الأرض، وكيفما كانت السلالة من عناصر الأجناس والأقوام؛ فالإغريق في موضع العرب لا يتفلسفون، والعرب في موضع الإغريق لا يحجمون عن الفلسفة ودراسة العلوم".

وهذا تعليل بالمكان، بالظروف الطبيعية، البيئة والجغرافيا، يضاف إلى التعليل بالعامل السياسي؛ الدولة - المدينة، أو العامل الديني، أو رعاية الملوك كما أشار الجاحظ، أو التعليل بالموقع البحري لليونان الذي جعل من التجارة البحرية عملاً مربحاً، فتشكلت بفضله طبقة تجارية قوية يتمتع رجالها بقدرة مالية على تعليم أبنائهم، كما جاء في كتاب "جغرافيا الفكر" لـ ريتشارد نيسبت.

وقد ربط المؤرخ المسعودي في "مروج الذهب" بين انتشار النصرانية في بلاد الروم واليونان وبين زوال الفلسفة والعلوم منها، يقول: "ولم تزل الحكمة باقية عالية زمن اليونانيين، وبرهة من مملكة الروم، تعظم العلماء، وتشرف الحكماء، وكانت لهم الآراء في الطبيعيات والجسم والعقل والنفس، والتعاليم الأربعة… إلى أن تظاهرت ديانة النصرانية في الروم، فعفوا معالم الحكمة، وأزالوا رسمها، ومحوا سبلها، وطمسوا ما كانت اليونانية أبانته، وغيروا ما كانت القدماء منهم أوضحته"، (المسعودي، مروج الذهب).

وهكذا، يبدو أن غياب الفلسفة في اليمن لم يكن بسبب قصور حتمي في الذكاء أو في الرغبة بالفهم، بل غالباً بسبب خصوصية الظروف التاريخية والمادية والاجتماعية التي لم تهييء للحياة الفكرية الحرة فسحة يمكن فيها أن تزدهر. 

فاليمني، رغم فضوله المتقد، عاش في وسط  طبيعي يضطره إلى التركيز على تحصيل مطالب البقاء أكثر من التأمل الحر.

وهذا هو التفسير الجزئي، الجزئي فقط، لغياب الفيلسوف اليمني عبر التاريخ. 

وبما أن العامل الطبيعي المادي، الإيكولوجي، لا يفسر غياب الفلسفة والفيلسوف فقط، بل يفسر أيضاً غيابات ونواقص أخرى كثيرة ملحوظة في الفضاء التاريخي والحضاري اليمني، 

فإن السؤال الذي بدأنا به المنشور يظل مطروحاً

من صفحة الكاتب على الفيسبوك