قبل عامين، حين تحدّث القائد عن القوات المسلحة اليمنية، لم يكن ذلك توصيفًا عابرًا ولا مناورة لغوية، بل كان تصحيحًا لمفهوم اختطفه الكهنوت الحوثي وضلّل به الرأي العام.
يومها كان العالم يتداول مسمّى «القوات المسلحة اليمنية» مقرونًا ببيانات خرقاء صادرة عن جماعة كهنوتية لا تمتّ للدولة ولا للجندية بصلة، وهو ما كان ولا يزال يغيظ كل يمني حر، وكل مقاوم صادق، وكل قائد حقيقي.
«نحن القوات المسلحة اليمنية»… هذه ليست عبارة شعاراتية، بل حقيقة تشكّلت على الأرض بالتضحيات والانضباط والعقيدة الوطنية الخالصة.
وبضوء المجريات الحالية، يصبح من الواضح أن القائد طارق صالح كان أول من نادى عمليًا بقوات مسلحة يمنية حقيقية، وسعى لتوحيد قرار الجيش وهدفه وبوصلته، بعيدًا عن الاستقطاب الحزبي والولاءات الضيقة. مشروعه لم يكن ردّ فعل، بل رؤية دولة، عنوانها: جيش وطني لا ميليشيا، مؤسسة لا جماعة، وطن لا حزب.
لقد عشت هذه التجربة وعاينتها عن قرب، وعرفت رجالها، وجالست قادتها، ويمكنني القول بثقة: إن المقاومة الوطنية قدّمت واحدة من أرقى التجارب العسكرية اليمنية من حيث الانضباط، والعقيدة، والاحتراف، والهندام العسكري، واحترام التسلسل القيادي… وهذه ليست تفاصيل شكلية، بل جوهر أي جيش محترم.
فالجيش الحقيقي يبدأ بعقيدته الوطنية لا الحزبية، بغاية يمنية خالصة، وينتهي بجندي يعرف لماذا يقاتل، وتحت أي علم، ولأجل من.
المؤسف اليوم، وفي لحظة يُفترض أن تتجه فيها الجهود نحو توحيد الصف الوطني ضد الحوثي، يخرج علينا نشطاء وإعلاميون محسوبون على جماعات الإخوان، يمارسون دورًا مريبًا في تفكيك صورة الجيش، وإشعال صراعات داخلية، وبث الشكوك… خطاب لا يخدم إلا مشروع الحوثي، وإن تلحّف بشعارات الثورة أو الشرعية.
نحن اليوم في غنى تام عن هذا العبث السياسي والإعلامي. فمعركة اليمن ليست معركة تصفية حسابات حزبية، ولا سباق نفوذ، بل معركة وجود دولة. وكل من يطعن في تجربة عسكرية وطنية ناجحة، أو يسعى لتشويهها، أو ضرب الثقة بها، إنما يضع نفسه، بقصد أو بغير قصد، في خانة خدمة الحوثي.
التاريخ لا يرحم، والجيوش لا تُبنى بالمنشورات التحريضية ولا بالمكايدات، بل بالدم، والانضباط، والولاء لليمن فقط.
ومن لا يحتمل فكرة جيش وطني خارج عباءته الحزبية، فمشكلته ليست مع القائد ولا مع المقاومة الوطنية، بل مع مفهوم الدولة ذاته.
>
