عادل الهرش
العالم القديم انتهى… والشرق الأوسط على حافة إعادة التشكيل
حين أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن “العالم القديم انتهى” وأننا دخلنا عصرًا جديدًا من الجيوسياسة، لم يكن ذلك مجرد تعبير بلاغي أو توصيف إعلامي عابر، بل إشارة سياسية إلى تحوّل عميق في بنية النظام الدولي. فالعالم الذي تشكّل بعد انهيار الاتحاد السوفيتي لم يعد قائمًا بالشكل الذي عرفناه، حيث كانت الولايات المتحدة تمسك بمفاصل القرار الدولي سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا عبر شبكة مؤسسات وتحالفات مترابطة. اليوم، تتآكل تلك الصيغة تدريجيًا، ويحل محلها واقع أكثر تعقيدًا وأشد تنافسًا.
لقد أدى صعود الصين كقوة اقتصادية وتكنولوجية كبرى، وعودة روسيا كلاعب عسكري مؤثر، إلى كسر فكرة الأحادية القطبية. لم يعد بالإمكان فرض الإرادة الدولية من مركز واحد، بل باتت موازين القوى موزعة بين أقطاب متعددة، لكل منها أدواته ومصالحه ومجالات نفوذه. وفي موازاة ذلك، تراجعت فاعلية المؤسسات التي أنشئت بعد الحرب العالمية الثانية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، التي أصبحت ساحات خلاف أكثر منها منصات حسم، ما يعكس أزمة عميقة في مفهوم “النظام القائم على القواعد”.
هذا التحول لم يقتصر على توزيع القوة بين الدول، بل طال طبيعة الصراع نفسه. فالحروب لم تعد تدار بالسلاح فقط، بل بسلاح الهيمنة سواء بالعقوبات، وبالتحكم في سلاسل الإمداد، وبالسباق على التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي، وبالسيطرة على الممرات البحرية الحيوية. وما جرى في أوكرانيا كشف بوضوح كيف تتداخل الأدوات العسكرية بالاقتصادية والإعلامية في معركة واحدة ممتدة. إننا أمام زمن تختلط فيه الحدود بين الحرب والسلم، وبين الردع والضغط الاقتصادي، وبين الأمن القومي والتفوق التكنولوجي.
في هذا السياق المضطرب يبرز الملف الإيراني كأول اختبار عملي لقواعد العصر الجديد. فالمواجهة المحتملة مع إيران لا تتعلق بالبرنامج النووي وحده، بل بموقع طهران في شبكة النفوذ الإقليمي، وبقدرتها على التأثير في الخليج والعراق وبلاد الشام و واليمن والبحر الأحمر. فأي ضربة عسكرية لن تكون حدثًا معزولًا، بل قد تتحول إلى سلسلة تفاعلات متشابكة تتجاوز الجغرافيا الإيرانية. فالولايات المتحدة الامريكية تسعى إلى تثبيت معادلة ردع حاسمة من دون الانزلاق إلى حرب شاملة، بينما تعتمد إيران على استراتيجية “الحرب غير المتكافئة”، مستندة إلى شبكة حلفائها وأذرعها الإقليمية لتوزيع ساحة الاشتباك وتوسيع نطاق الضغط.
السيناريو الأقرب للواقع ليس انفجارًا شاملًا بقدر ما هو مسار استنزاف طويل، حيث تتبادل الأطراف ضربات محسوبة وتتحرك ضمن هامش تصعيد مضبوط، بما يحفظ لكل طرف قدرًا من الردع دون الوصول إلى نقطة اللاعودة. ومع ذلك، يبقى احتمال الانفجار الإقليمي قائمًا إذا خرجت الضربات عن حدودها أو تدخلت القوى الكبرى بشكل مباشر. وفي كل الأحوال، فإن أي مواجهة واسعة ستنعكس على أسواق الطاقة والممرات البحرية، وستعيد ترتيب أولويات القوى الدولية في الشرق الأوسط.
وسط هذه التحولات، لم يعد بالإمكان للدول الهشة أو المنقسمة أن تتصرف وكأنها خارج المشهد. الجغرافيا اليوم قيمة استراتيجية مضاعفة، والممرات البحرية تحولت إلى أوراق ضغط في لعبة كبرى. فمن لا يمتلك مشروع دولة متماسكًا، واقتصادًا قادرًا على الصمود، وتحالفات مرنة غير مرتهنة لطرف واحد، سيجد نفسه ساحةً يتصارع فوقها الآخرون. أما من يبني قوته الداخلية ويقرأ التحولات مبكرًا، فسيملك هامشًا أوسع للمناورة في زمن السيولة الاستراتيجية.
هكذا يتضح أن عبارة “انتهاء العالم القديم” ليست وصفًا شاعريًا لمرحلة انتقالية، بل إعلان دخول زمن صدمات متتالية، تتشابك فيه الحروب العسكرية بالحروب الاقتصادية والسيبرانية والإعلامية. لم يعد السؤال الأهم هو ما إذا كانت المواجهة مع إيران ستقع أم لا، بل كيف سيتصرف الفاعلون الإقليميون والدوليون في حال وقوعها، ومن سيستوعب قواعد اللعبة الجديدة قبل أن تفرض عليه نتائجها. ففي عصر التحولات الكبرى، لا مكان للجمود، ومن لا يعيد تموضعه مبكرًا قد يجد نفسه خارج الخريطة التي تُرسم من جديد.
>
