في بلدٍ أنهكته الحرب، تتكاثر قصص المظلومين خلف القضبان، وتتحول السجون إلى عناوين لملفاتٍ لا تُفتح، وقضايا لا تُنظر، وأرواحٍ تُترك معلّقة بين الألم والانتظار. وتبرز قضية المعتقل مجيب مهيوب دبوان المخلافي مثالاً صارخاً لمظلومية آلاف المدنيين المحتجزين دون تهم أو مسوغات قانونية.
الأستاذ مجيب المخلافي موظف تربوي منذ عام 2000م، بدأ مشواره مدرساً في مديرية بني مطر، ثم عمل في قطاع التدريب والتأهيل بوزارة التربية والتعليم، قبل أن ينتقل إلى قطاع التعليم، حيث ظل موظفاً فنياً ومدرباً كفؤاً، لم يتولَّ أي منصب إداري أو قيادي، بل عُرف بإخلاصه وإتقانه لعمله. جميع البرامج والدورات التي شارك فيها كانت بتكليف رسمي من الوزير أو الوكلاء أو مدرائه المباشرين.
غير أن نزاهته ورفضه لأي فساد مالي أو إداري، وحرصه على رفع المخالفات إلى الجهات المختصة، جعلاه هدفاً للوبي فساد داخل الوزارة، سعى إلى الانتقام منه وتشويه سمعته، فبدأت فصول المعاناة.
في العاشر من أكتوبر 2023م، وأثناء توجهه إلى محافظة إب لإقامة دورة تدريبية تابعة للوزارة، تم اختطافه من نقطة نقيل يسلح، واقتياده إلى جهة مجهولة. اختفى لشهور في زنازين مغلقة، وتعرض للتعذيب وسوء المعاملة، قبل أن يُعلن عن وجوده في معتقل الأمن والمخابرات عبر برنامج تلفزيوني بثته قناة المسيرة، تحدث عن ضبط “خلية تجسس تعمل لصالح أمريكا وإسرائيل.
ومنذ ذلك التاريخ، يقبع الأستاذ مجيب في سجن الأمن والمخابرات بالعاصمة صنعاء، دون توجيه تهمة رسمية، أو إحالته إلى النيابة، أو تحريك ملف قضيته بأي إجراء قانوني. وتشير معلومات إلى أن الجهات الأمنية نفسها تأكدت من كيدية التقارير التي رُفعت بحقه، وعدم وجود أي مخالفة مالية أو إدارية أو شبهة جنائية تثبت عليه.
ورغم انكشاف زيف الاتهامات، لم يتم الإفراج عنه، ولم يُحال إلى القضاء، بل تُرك في المعتقل بلا مسوغ قانوني، في وضع يطرح تساؤلات ملحّة: إلى متى سيظل الأستاذ مجيب المخلافي خلف القضبان دون تهمة؟ ولماذا لا تُصحَّح الأخطاء عندما تتبين براءة المحتجزين؟ أليس الأصل في العدالة أن يُفرج عن البريء، وأن يُحال المتهم إلى القضاء للفصل في قضيته؟
إن قضية مجيب المخلافي لا تبدو حالة فردية، بل نموذجاً لمعاناة واسعة يعيشها مئات وربما آلاف المدنيين المحتجزين دون إجراءات قانونية واضحة، يقضون سنوات بعيداً عن أسرهم، في ظل غياب الشفافية وضمانات المحاكمة العادلة.
المسؤولية الأخلاقية والقانونية تقتضي مراجعة هذه الملفات، وتصحيح الانتهاكات، وإطلاق سراح كل من لم تثبت بحقه تهمة، وإحالة من توجد بحقه أدلة حقيقية إلى القضاء المختص. فالعدالة لا تستقيم بالانتقائية، ولا تُبنى الدول على المظالم.
تبقى الأيام التي يقضيها المظلوم في المعتقل ديناً في أعناق من تسبب بها أو سكت عنها، والتاريخ لا ينسى، كما أن حساب العدالة في الدنيا أو الآخرة لا يسقط بالتقادم.
>
