د. فاروق ثابت

د. فاروق ثابت

تابعنى على

تعز المنكوبة بالسيول وقنص المليشيا

منذ 4 ساعات و 25 دقيقة

تعز تلك المدينة التي تُختصر في الذاكرة بوصفها “مقام الملوك”، أو عاصمة الثقافة والكتاب والمقاهي والروح المدنية الهادئة. اليوم، تقف في منطقة وسطى بين الحرب والحصار، بين الجغرافيا القاسية والسياسة الأكثر قسوة، وبين الطبيعة حين تثور، والإنسان حين يُترك وحيدا في مواجهة مصيره.

تعز مدينة تنزف وتستنزف بصمت طويل. حصار ممتد يثقل الحركة والحياة، ويعيد تشكيل تفاصيل العيش اليومي في أبسط صورها. ومع كل يوم يمر، تتآكل قدرة المدينة على التماسك، بينما تتسع الهوة بين احتياجات السكان وإمكانات الاستجابة.

وفي خلفية هذا المشهد، تتكرر حوادث مأساوية متفرقة، من بينها استهداف بالقنص وسقوط ضحايا مدنيين في مناطق التماس مع المليشيا الحوثية. وهي وقائع تعكس حجم الأوضاع الصعبة والهشاشة الأمنية والإنسانية التي تعيشها المدينة منذ سنوات، في ظل استمرار الحصار وتعنت المليشيا.

“المصائب لا تأتي فرادى”، وفي ذات الوقت الذي تعاني منه المدينة من القنص والحصار، فإن السيول خطرا كبيرا آخر يلاحق المواطنين في هذه المدينة المكلومة، فالأمطار حين تهطل، تحول كثير من مناطق المدينة وأطرافها إلى مناطق مهددة بالانزلاق بفعل السيول القوية، في ظل بنية تحتية مثقلة بالإهمال، ومشاريع لتصريف مياه الأمطار لم تحظَ بالصيانة الكافية أو الاستدامة أو الخدمات المطلوبة. ومع كل موسم مطر، تتجدد المخاوف ذاتها.

ينحدر السيل من أعالي جبل صبر، فتزداد كثافته وسرعته كلما هبط إلى الأسفل، حتى يرتفع منسوبه ليتحول إلى قوة جارفة لا يقف في طريقها شيء.

منذ نحو عقدين، حظيت المدينة بمشروع “حماية تعز من كوارث السيول”، الذي نفذ على مرحلتين بتمويل من البنك الدولي حينها. غير أن المعضلة الحقيقية اليوم تكمن في كفاءة هذا المشروع واستدامته وآليات إدارته والإشراف عليه، فضلًا عن الحاجة إلى استكمال مراحله اللاحقة لبناء منظومة تصريف متكاملة تصل إلى المناطق الآمنة خارج النطاق العمراني للمدينة.

كما أن مصارف السيول التي نفذت ضمن هذا المشروع تحتاج اليوم إلى معالجة فنية أكثر احترافية، تقوم على تصميم أغطية هندسية احترافية وآمنة، تُنفذ تحت إشراف مباشر من السلطة المحلية والجهات الفنية المختصة، لا عبر مبادرات فردية أو حلول مجتمعية غير مدروسة.

ذلك أن بعض ما جرى تنفيذه محليا، مثل الأغطية الشبكية البسيطة، أثبت محدوديته عمليا، إذ تتعرض للانسداد السريع مع بداية تدفق السيول نتيجة تراكم القمامة والمواد التي تجرفها المياه، ما يؤدي إلى تعطيل التصريف الطبيعي وزيادة منسوب الخطر في الشوارع والأحياء. وفي حالات مأساوية، يضطر المواطنون إلى إزالة تلك الأغطية أو فتحها يدويا لتخفيف الضغط المائي، وهو سلوك بالغ الخطورة على حياة الآخرين من بين هذه الحالات ما وقع في حادثة الطفل “إيلول”، الذي جرفته السيول عبر فتحة جرى فتحها بشكل خاطئ امس الاول.

ومن هنا، فإن المعالجة المطلوبة لا ينبغي أن تقتصر على “الترقيع المجتمعي”، بل يجب أن تمتد إلى إعادة تأهيل شاملة لمنظومة تصريف السيول، وفق معايير هندسية واضحة تضمن السلامة العامة، وتمنع تحول البنية التحتية نفسها إلى مصدر تهديد لحياة السكان.

ووسط كل هذا، يقف المواطن في تعز وحيدا تقريبا طفل يحاول الذهاب إلى مدرسته، وأم تنتظر عودة ابنها، وأسرة تعيش على هامش الخوف اليومي من المجهول بين رصاصة طائشة، أو انهيار أرضي، أو سيول مباغتة.

الأكثر إيلاما أن هذا الواقع لا يرتبط فقط بالمعاناة المادية، بل يتجاوزها إلى تآكل الشعور بالأمان، وتراجع الثقة بالمؤسسات، وارتفاع معدلات الجريمة والاغتيالات، في ظل وضع اقتصادي ومعيشي يضغط على الجميع دون استثناء.

ومع ذلك، تبقى تعز مدينة لا تستسلم بسهولة. مدينة الثقافة التي أنجبت شعراء وكتابا ومفكرين وقادة وسياسيين، ما زالت تقاوم على طريقتها الخاصة: بالحياة اليومية نفسها، بالمدارس التي تفتح أبوابها رغم كل شيء، وبالمقاهي التي تحاول الحفاظ على فكرة “المدينة” وسط ركام السياسة والحرب والموت والتطرف.

تعز اليوم لا تحتاج فقط إلى التضامن ومنشورات الترند، بل إلى معالجة جذرية لواقعها المركب: حصار يجب أن ينتهي، وبنية تحتية يجب أن تُنقذ، وأمن يجب أن يعاد تعريفه كحق للمدني قبل أن يكون أداة للصراع والاستحواذ السياسي، ومحاسبة للفساد حين يثبت دوره في تعميق الأزمة.

ما يحدث في تعز ليس مجرد أزمة محلية، بل اختبار قاس لمعنى المدينة نفسها: هل يمكن لمدينة أن تبقى مدينة إذا حُرمت من الأمان، ومن الطرق، ومن الماء، ومن حقها البسيط في الحياة؟

في تعز، لا يزال السؤال مفتوحا… والجواب مؤجلا حتى إشعار آخر.