عبدالله بن بجاد العتيبي

عبدالله بن بجاد العتيبي

تابعنى على

إيران ونحن.. أسئلةٌ هادئةٌ

Tuesday 14 April 2026 الساعة 07:34 pm

بعيداً عن مشاعر العداء وألفاظ الهجاء، وقريباً من محاولة التأمل والتبصّر، ثمة أسئلةٌ تستحق التوقف عندها ومحاولة الإجابة عليها، بكل بساطةٍ ووضوحٍ، لكنها على الرغم من سهولتها تكشف الكثير من أبعاد المشهد القائم وخصائصه.

نظام الحكم السياسي في إيران، وبحسب تعريفه لنفسه، هو نظام «الثورة الإسلامية»، وهذا هو التعريف الأولي الذي تبناه النظام، ثم جاء بعده تعريف النظام نفسَه مرة أخرى بأنه نظام «الجمهورية الإسلامية». والسؤال هنا هو: أي نموذج كان هذا النظام يقتفيه سياسياً بين النماذج العالمية؟ من الواضح أنه كان يقتفي النموذجَ الفرنسي، حيث «الثورة» على الملكية التي تلاها إعلان «الجمهورية»، مع فارقٍ هو تسمية «الإسلامية».

 لكن الاختلافات بين النموذجين صارخةٌ جداً ولا تحتاج إلى شرح أو تقديم تدليلٍ، إلا أنها تشير إلى محاولة تمثّلٍ وتقليدٍ، مع تأثّرٍ من نوعٍ ما. لكننا اليوم مضطرون اضطراراً شديداً للابتعاد عن التاريخ القديم والحديث والتعليق مباشرةً على الحدث الراهن بكل سخونته، وهو في فرن الحرب ومطبخ السياسة المشتعل، رغم أنها مهمةٌ شاقةٌ في هذه اللحظة التاريخية بالذات، إلا أنها لحظةٌ توجب ملامسةَ الخطوط الحمراء، وإن كان بعضها حارقاً.

 ولئن كان الحدث ساخناً، فإن الأسئلة القادرة على كشفه باردةٌ وهادئةٌ، لذا فالسؤال الأول هنا: ما هو النظام الإيراني اليوم؟ بمعنى عن أي نظامٍ نتحدث، نظام «الخميني» القديم أم نظام «خامنئي» الهرم المتوفى، أم نظام «خامنئي» الصغير الغائب؟

السؤال الثاني: مَن يقود إيرانَ اليوم؟ هل هو «مؤسسة المرشد» أم «مؤسسة الرئاسة» أم «الحرس الثوري»؟ مؤسسة المرشد غائبةٌ بشكلٍ شبه كاملٍ، ومؤسسة الرئاسة اتضح منذ بداية الحرب أنها عبارةٌ عن «إدارةٍ حكوميةٍ» ليس لها علاقةٌ بإدارة الدولة أو «النظام»، وذلك من خلال التوضيح الذي اضطر «الرئيس» الإيراني إلى إعلانه بعد اعتذاره الشهير من دول الجوار.

السؤال الثالث: إذاً، من الناحية العملية، لم يبق إلا جواب واحد: «الحرس الثوري». وهذا جوابٌ يفتح باباً لأسئلةٍ أكثر أهميةً، فمَن يقود الحرس الثوري اليوم؟ وكما نعلم فإن «طبقةً» قياديةً كاملةً، دينياً وسياسياً وعسكرياً، قد اختفت في إيران، لذا لم يعد أحدٌ في العالَم يعرف مع مَن تحديداً يتمّ التفاوض في إسلام آباد؟ وهذا بالطبع إذا تمّ استبعاد محمد باقر قاليباف (رئيس البرلمان) وعباس عراقجي (وزير الخارجية) اللذين باتا يتنقلان بحريةٍ عبر طائراتٍ تقلع وتهبط في سماء إيران بالاعتماد على حماية طائراتٍ عسكريةٍ من دولةٍ أخرى.

 والسؤال الرابع، وهو لا يقل أهميةً عمّا سبق، إذ ينطلق من أن ثمة معركة سياسية وإعلامية وثقافية ساخنة تدور في العالم العربي حالياً، بين مراكز القيادة القديمة ومراكز القيادة الحديثة، لكنها معركةٌ بلا منتصرٍ، لأن الخائضين فيها إما متقاعدون من المراكز القديمة في السياسة والديبلوماسية والإعلام، وإما متحمسون من المراكز الحديثة الذين يحسنون خلق «الترندات» و«الهاشتاقات» والإثارة، لكنهم لا يحسنون فهمَ أبعاد مثل هذه اللحظات التاريخية، وتقتصر رؤيتُهم على إدارة المعارك اللحظية واليومية دون أي استيعابٍ لكافة العلوم الفلسفية والتاريخية والتحليلية التي تمنح رؤيةً متماسكةً وصلبةً للمشاهد المختلطة.

في تاريخ الأمم، وضمنه تاريخ العرب، لم يكن الوقوف في أول الصفوف أبداً دليلاً على القيادة، فالمتقدمون هم حملة الأعلَام والبيارق، ومن بعدهم المشاة أو الخيول أو الإبل أو غيرها، أما القيادات الحقيقية فكانت دائماً في الخلف، ترصد المشهد كاملاً وتدير المعركةَ برؤية وتبصرٍ وقيادةٍ واعيةٍ.

وأخيراً، فإننا في دول الخليج العربية اليوم، وفي هذه اللحظة التاريخية شديدة السخونة، بحاجةٍ ماسةٍ إلى إعادة النظر الكاملة في سياساتنا واستراتيجياتنا ورؤيتنا لمكاننا ومكانتنا في العالم، وإعادة ترتيبها جميعاً بشكلٍ جديدٍ يحسن حسابَ التوازنات والتعامل مع المتغيرات، وهي كبيرةٌ وكبيرةٌ جداً.

* صحيفة الاتحاد