يوسف العتيبة

يوسف العتيبة

‏‫لماذا تركت الإمارات‬ أوبك؟

Wednesday 06 May 2026 الساعة 10:26 am

‏حضرتُ قبل أربعين عامًا أول اجتماع لمنظمة أوبك في حياتي. 

‏كانت تلك المرة الأولى التي أرتدي فيها بدلة وربطة عنق، وكنت في الثالثة عشرة من عمري. 

‏لم أكن سعيدًا؛ وكذلك كان والدي، مانع العتيبة، الذي كان يشغل آنذاك منصب وزير البترول والثروة المعدنية في دولة الإمارات. 

‏كان ذلك في عام 1986، حين انهارت أسعار النفط إلى ما دون عشرة دولارات للبرميل في وقت سابق من ذلك العام، وقد أمضى والدي أشهرًا وهو يضغط على بقية أعضاء أوبك لتعزيز حصص الإنتاج واستعادة استقرار الأسعار. 

‏عكست التقارير الإخبارية الصادرة عن مؤتمر جنيف في أغسطس من ذلك العام أجواء المرحلة، فقد قال والدي للصحفيين: "لا يزال أمامنا طريق طويل"، وأضاف: "لست متفائلًا إلى هذا الحد". 

‏وكان محقًا في تشككه، فقد انتهى الاجتماع من دون التوصل إلى حل، لكن أوبك نجت، ومضت الإمارات لتصبح ثالث أكبر منتج داخل المنظمة.

‏في الأسبوع الماضي، وبعد ما يقرب من ستين عامًا من العضوية، أعلنت الإمارات انسحابها من أوبك، وهذا القرار يتجاوز بكثير مسألة حصص الإنتاج أو الاضطرابات المرتبطة بالحروب، فهو يعكس تغيرات هيكلية في أسواق الطاقة العالمية، وتحولات جوهرية في الاقتصاد العالمي، ورؤية واضحة لمكانة الإمارات اليوم، وإلى أين تتجه.

‏لقد أُنشئت أوبك من أجل الدول المعتمدة على النفط، أما الإمارات فلم تعد كذلك منذ زمن طويل، فعندما انضمت أبوظبي إلى أوبك، لم نكن قد أصبحنا دولة بعد، ثم وبعد قيام الإمارات، كنا دولة فتية يعتمد اقتصادها بصورة شبه كاملة على عائدات النفط، وكان إطار أوبك، القائم على الإدارة الجماعية للإنتاج والانضباط المشترك والتنسيق في الأسعار، منطقيًا لدولة حديثة العهد بأسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، فقد منحنا خبرة واستقرارًا ونفوذًا لم يكن بإمكان دولة صغيرة ومستقلة حديثًا أن توفره بمفردها، لكن تلك الدولة لم تعد موجودة اليوم.

‏أصبح أقل من ربع ناتجنا المحلي الإجمالي مرتبطًا بالطاقة، أما القطاعات الأسرع نموًا لدينا فهي الطيران والخدمات اللوجستية والتصنيع المتقدم والذكاء الاصطناعي والسياحة وعلوم الحياة. 

‏لقد وقعنا 35 اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة خلال الأعوام الأربعة الماضية، دخلت 15 منها حيز التنفيذ بالفعل، مع الهند وكوريا الجنوبية وإندونيسيا وأوكرانيا وإسرائيل وكينيا وماليزيا وفيتنام والأردن وغيرها، ما وسّع وصولنا إلى أسواق تضم مليارات البشر. 

‏كما نعمل على تطوير اتفاقية تجارة ثنائية مع الاتحاد الأوروبي، والتزمنا بشراكة استثمارية وتقنية بقيمة 1.4 تريليون دولار مع الولايات المتحدة. وهذه ليست ملامح دولة ينحصر اهتمامها الأساسي في إدارة إمدادات النفط ضمن إطار جماعي.

‏لقد ذكّر العام الماضي كل حكومة وكل أسرة بما يعنيه انعدام أمن الطاقة فعليًا، فقد أدت الاضطرابات الإقليمية إلى تعطيل الإمدادات ودفع الأسعار نحو مستويات قياسية وفرض تكاليف حقيقية على المستهلكين والمزارعين والشركات، من دي موين إلى دلهي، والدرس بسيط هو العالم يحتاج إلى مزيد من الطاقة الموثوقة والميسورة التكلفة، ويحتاج إلى منتجين قادرين على توفيرها.

‏تكمن مصلحة الإمارات في وجود منطقة مستقرة لا مضطربة، ولذلك فإن سياستنا في مجال الطاقة، مثل سياستنا الخارجية، موجهة نحو هذا الهدف، فنحن نمتلك طاقة إنتاجية فائضة كبيرة، إضافة إلى البنية التحتية اللازمة لتوسيعها، ونخطط لاستثمار عشرات المليارات من الدولارات في خطوط أنابيب جديدة وتحديث الموانئ وتعزيز الخدمات اللوجستية لضمان وصول طاقتنا إلى الأسواق التي تحتاج إليها، بغض النظر عما يحدث حولنا، ونستهدف رفع قدرتنا الإنتاجية إلى خمسة ملايين برميل يوميًا بحلول عام 2027.

‏لكن هذه القدرة تبقى معطلة داخل إطار الإنتاج الجماعي، ولذلك فإن مغادرة أوبك ليست مجرد حسابات تجارية، بل مسؤولية أيضًا، فالإمارات تمتلك القدرة على الإسهام في أمن الطاقة العالمي والاستقرار الاقتصادي الدولي في لحظة يتعرض فيها هذا الأمن والاستقرار لخطر حقيقي، ونحن نعتزم القيام بذلك.

‏ولن تُكدّس العائدات الناتجة عن توسيع الإنتاج فحسب، بل ستُعاد استثماراتها في مشاريع البنية التحتية عبر العالم النامي، وقد أمضت "مصدر"، شركتنا للطاقة المتجددة، عشرين عامًا في بناء القدرات داخل أربعين دولة، بما فيها الولايات المتحدة، كما دخلت محطة "براكة" النووية، الأولى في العالم العربي، مرحلة التشغيل وتوليد الكهرباء النظيفة المستقرة، وخصصت «أدنوك» عشرات المليارات من الدولارات لتطوير حلول منخفضة الكربون عبر «إكس آر جي»، ذراعها الاستثمارية الدولية الجديدة. 

‏نحن لا نختار بين النفط والتحول في مجال الطاقة، بل نمول أحدهما بالآخر.

‏وكأن هذه الأسباب لا تكفي لمغادرة أوبك، فإن إيران لا تزال عضوًا كامل العضوية في المنظمة، رغم أنها تنتهك مهمة الكارتل المعلنة المتمثلة في "ضمان استقرار أسواق النفط من أجل تأمين إمدادات فعالة واقتصادية ومنتظمة من النفط للمستهلكين"، ففي يوم الأحد، انتهكت إيران وقف إطلاق النار والقانون الدولي، واستأنفت هجماتها على ناقلات النفط والبنية التحتية للطاقة في الخليج.

‏تحدثتُ إلى والدي الأسبوع الماضي، وبصفته رئيسًا لأوبك ست مرات، توقعت أن تكون لديه مشاعر متباينة بشأن مغادرة الإمارات لمنظمة كرّس لها جزءًا كبيرًا من حياته المهنية.

‏لكنّه فاجأني حين ذكّرني بأن هذه كانت الخطة منذ البداية، وكما تجاوزنا تلك البدلة وربطة العنق التي ارتديتها عام 1986، فقد تجاوزنا أوبك أيضًا، وقال إن عائدات النفط كانت دائمًا وسيلة لا غاية، فلم يكن الهدف يومًا أن نصبح دولة نفطية، بل أن نبني شيئًا أكثر ديمومة: اقتصادًا متنوعًا، ومجتمع معرفة، ودولة تمتلك العمق والشراكات التي تتيح لها الازدهار مهما أصبح عليه العالم في المستقبل.

سفير دولة الإمارات في واشنطن  

نقلا عن فايننشال تايمز