حين يتحدث الجائع يبحث عن رغيف خبز، وحين يصرخ المقهور يبحث عن راتب يسد رمق أطفاله، لكن القائم بأعمال رئيس وزراء عصابة الكهنوت الحوثي، المدعو محمد مفتاح، اختار أن يرد على معاناة اليمنيين بلغة تكشف حقيقة المشروع الحوثي أكثر مما تكشفه مئات الخطب والشعارات الزائفة.
فبدلاً من الاعتراف بحجم الكارثة الاقتصادية التي صنعتها المليشيا خلال سنوات انقلابها، وبدلاً من تقديم حلول لإنقاذ ملايين اليمنيين الذين طحنهم الفقر والجوع، خرج مفتاح الجوع ليطالب الناس بالصمت والعمل المجاني، وكأن الجوع مجرد ترف إعلامي، وكأن المواطن اليمني لا يئن تحت وطأة الضرائب والجبايات والإتاوات التي فرضتها جماعته على كل شيء.
إن أخطر ما في تصريح مفتاح ليس الكلمات ذاتها، بل العقلية التي تقف خلفها؛ عقلية حوثية إجرامية ترى في المواطن اليمني مجرد وقود للحرب، وترى أن واجبه أن يعمل ويجوع ويصبر، بينما تستمر تلك المليشيا في تجنيد الأطفال، وجمع الأموال، وتمويل مشاريعها العسكرية والأيديولوجية.
لقد كشف مفتاح، دون أن يشعر، جوهر تلك السياسة الحوثية عندما جعل الجبهات والأمن أولوية تتقدم على حياة الناس وخدماتهم ومعيشتهم. فالمواطن في قاموس العدو الحوثي ليس غاية الدولة، بل وسيلة لخدمة المشروع السلالي الإيراني الدخيل على الأرض والإنسان في اليمن.
أما التعليم والصحة والرواتب والاقتصاد، فهي في نهج تلك السلالة ملفات مؤجلة دائماً إلى إشعار آخر.
لقد تحولت مناطق سيطرة الحوثي إلى بيئة للفقر والجباية والتسلط المنظم. تُنهب الموارد، وتُفرض الإتاوات، وتُصادر الفرص، ثم يُطلب من المواطن أن يعمل بلا مقابل، وأن يشكر جلاده على ذلك.
إن تصريحات محمد مفتاح ليست مجرد زلة لسان عابرة، بل تعبير صريح عن العقلية المتعالية والصلف السياسي الذي يحكم سلوك المليشيا الحوثية، ويكشف حجم الانفصال بينها وبين معاناة اليمنيين وآلامهم اليومية. فهي تؤكد مرة أخرى أن الحوثي لا ينظر إلى الدولة باعتبارها مؤسسة لخدمة الشعب ورعاية مصالحه، بل كأداة لتكريس سلطة الجماعة وخدمة مشروعها الخاص.
لذلك لم يكن الجوع في مناطق سيطرة الحوثي نتيجة الحرب وحدها، بل نتيجة سياسة ممنهجة جعلت الإنسان اليمني آخر اهتمامات تلك السلطة الانقلابية.
ومن هنا باتت الحقيقة واضحة للجميع: أن الجوع لم يعد مجرد أزمة تعيشها مناطق سيطرة الحوثي، بل تحول إلى إحدى النتائج المباشرة لسياسات الحكم التي أوصلت الناس في الشمال إلى هذا الواقع البائس. وأن محمد مفتاح لم يكن في تصريحاته الأخيرة سوى بوق ناطق عكس بوضوح حقيقة ذلك النهج الذي أوصد أبواب الحياة الكريمة، وفتح على اليمنيين أبواب الفقر والجوع والمرض والمعاناة منذ سنوات.
>
