حسين الوادعيحسين الوادعي

الخرافة وتجار المخدرات الذهنية والأوهام

مقالات

2021-01-16 09:30:27

قال أبو العلاء متحدثاً عن خوفه في زمنه من قول الحقيقة:

إذا قلتُ المحالَ رفعتُ صوتي 

                  وإن قلتُ اليقين أطلتُ همسي

ويبدو أن الوضع لم يتغير.. فلا يزال صوت المحال (الخرافة، الأوهام) عالياً، وصوت الحقيقة هامساُ إن لم يكن صامتاً.

* * *

كلما كبرت الخرافة تضخمت الآلة القمعية المطلوبة لحمايتها.

الخرافة الكبرى قد تكون ضعيفة وهشة، وضخامتها تأتي من السيف الذي يحميها لا من قوتها ولا من قدرتها على البقاء..

كل يوم أصحو في ظلال الخرافة الكبرى التي تحكم حياتنا.. كم هي هشة وضعيفة وقابلة للانهيار من أقل مجهود فكري...

وكم هي قوية ومخيفة بالسيوف والخناجر والسكاكين والمتفجرات والتشريعات والانياب وطاقات العنف الهمجي التي تحميها..

* * *

طاقة العقل محدودة.. وكل خرافة تضاف للعقل تستهلك جزءاً من قدرته على التفكير..

وعندما تكون هناك خرافة كبرى تمسك بتلابيب العقل فإنها تغزو مكونات العقل وخلاياه وتشوه قدرته على التفكير المنطقي..

متى تسقط الخرافة الكبرى التي تغذي كل الخرافات الصغيرة التي تكبل العقل العربي وتعطل قدرته على التفكير؟

* * *

-لماذا تصر على صدمة الناس؟ دعهم يعيشون في الخرافة.. الخرافة مريحة.

- حرب، وفقر، وجوع.. وأنت جاي تناقشهم وتوضح لهم الوضع المزري اللي هم فيه؟ خل لهم شوية وهم يعيشوا فيه.. وهم يريحني ولا حقيقة تزعجني..

- الناس الذي حولك متعودين يعيشوا على الخرافة.. العقل لن ينفع معهم.. اشحنهم خرافات وزوامل وريحهم، ولا تتعب نفسك وتناطح جبل.

- المجتمع يحتاج مخدرات (تاريخ مجيد، أصل العرب، العرق النقي، والشهامة النادرة).. التوعية والكلام الفاضي هذا كله تعالي على الناس وعلى واقعهم... الوهم الجميل أهم عندي من الحقيقة الصادمة..

** تخيلوا أن كل ما سبق هي عينة صغيرة من ردود "المثقفين" و"النخبة" على ما أنشر...

مثقفون ونخب يحتقرون الشعب ولا يرونه الا كتلة تتحرك بالخرافات، ومع ذلك يقدمون أنفسهم كناطقين باسم الشعب وهويته ومعاناته!!

هؤلاء تجار مخدرات ذهنية وأوهام، وليسوا نخبة..

ولو كان القانون يعاقب على ترويج المخدرات الذهنية لكان الوضع أهون...

* * *

الجهل والأمية ليستا مترادفتين.. الأمي قد يكون جاهلاً.. لكن المتعلم أيضاً قد يكون غارقاً في الجهل.

والفرق بين الجهل والأمية أن عكس الجهل هو الوعي، وعكس الأمية هو التعليم.

وليس كل أمي جاهلا ولا كل متعلم واعيا.

وسبب الخلط بين الأمية والجهل هو الفكرة المغلوطة أن الوعي وفهم العالم لا يكون الا عبر الكتب أو التعليم الرسمي.

لا شك أن الكتب والتعليم مصدران من أهم مصادر تشكيل الوعي في العصر الحديث. لكن مناهج التعليم السيئة قد تحول التعليم إلى تجهيل، وقراءة كتب في مسار واحد ومكرر قد ترسخ الجهل بدلاً من تكوين المعرفة.

إن الجهل مرتبط بفقدان المعارف الضرورية التي لا يمكن فهم عالم اليوم بدونها. 

إذا كنت لا تعرف كيفية بناء برج، أو علاج أمراض القلب فان هذا لا يجعلك جاهلا، لأن هذه معارف تخصصية لا حاجة للجميع لمعرفتها.

لكن إذا كنت لا تعرف كيفية عمل اللقاحات، ولا تفهم شيئا عن نظرية التطور، ولا تعرف أبسط أسس التفكير العلمي، ولا تستطيع فهم تحولات السياسة بعيدا عن نظرية المؤامرة فأنت جاهل.

وسبب وقوعك في الجهل انك تفتقد للمعلومات الأساسية اللازمة لفهم ما يجري اليوم.

قد يستطيع الأمي من خلال متابعة اليوتيوب والبودكاست والأفلام الوثائقية تكوين معرفة يفتقر لها حامل للدكتوراة.

إن اعظم الفلاسفة في التاريخ هو سقراط الذي لم يؤلف كتابا واحدا، ويعتقد بعض المؤرخين أنه لم يكن يقرأ ولا يكتب! 

ولا تفهموني خطأ، فأنا من اشد أعداء الأمية، وأكثر الناقدين قسوة ضد كل شخص لم يهتم بالتعليم.

لكنني من خلال نقاشاتي مع كثير من "الأميين" وجدت كثيرا منهم يمتلكون وعيا نقديا يفتقد له بعض خريجي كبار جامعات العالم وممتهني الكتابة والسياسة في بلداننا.

إن السيناريو المثالي هو أن يكون لدينا المواطن المتعلم-الواعي.. لأن التعليم قد يترافق مع الجهل ويصادقة وقد يتزوجه وينجب منه أغبى ما خلق الله من عقول.

كما أن الأمية قنبلة موقوتة وفقاسة للفقر والعنف.. لكن الجهل لا يقل سوءا عن الأمية.

وكثير مما نسمعه ونقرؤه عن الثالوث المحرم (الدين والجنس والسياسة) نابع من هذا الالتصاق غبر المرئي بين التعليم والجهل، ومن الخلط غير المبرر بين الجهل والأمية.

* جمعه نيوزيمن من منشورات للكاتب على صفحته في الفيس بوك

-->