الاحتجاجات في إيران تتصاعد وسط مأزق اقتصادي وأمني غير مسبوق
العالم - Thursday 08 January 2026 الساعة 07:21 pm
طهران، نيوزيمن:
دخلت الاحتجاجات الشعبية في إيران مرحلة أكثر تعقيدًا مع استمرارها لأكثر من عشرة أيام، واتساع رقعتها الجغرافية لتشمل قلب العاصمة طهران وعشرات المدن في مختلف المحافظات. ويأتي هذا التصعيد في ظل أزمة اقتصادية خانقة وتوتر سياسي داخلي وخارجي، ما يعكس حجم التحدي الذي يواجهه النظام الإيراني في واحدة من أكثر الفترات حساسية منذ سنوات، خاصة بعد الحرب الأخيرة مع إسرائيل وتداعيات العقوبات الدولية المتجددة.
وشهدت العاصمة طهران تحركات لافتة في بازارها الرئيسي، حيث أظهرت مقاطع مصورة استخدام قوات الأمن الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين، بالتزامن مع إضرابات واسعة وإغلاق متاجر في مناطق تجارية حيوية. وامتدت الاحتجاجات إلى مدن عدة خلال ساعات الليل، وسط اشتباكات متفرقة مع قوات الأمن، وفق ما أفاد به ناشطون.
وبحسب منظمة هرانا الحقوقية، قُتل ما لا يقل عن 35 شخصًا منذ اندلاع الاحتجاجات، بينهم 29 متظاهرًا وأربعة أطفال، إضافة إلى اعتقال أكثر من 1200 شخص. كما أكدت المنظمة أن الاحتجاجات طالت 27 محافظة من أصل 31، في مؤشر على اتساع غير مسبوق للتحركات. وفي تطور أمني خطير، قُتل شرطي إيراني طعنًا قرب العاصمة أثناء محاولته السيطرة على الاضطرابات، ما يعكس تصاعد حدة المواجهات ودخولها منحنى أكثر عنفًا.
وتعود الشرارة الأولى للاحتجاجات إلى التدهور الحاد في الأوضاع المعيشية، حيث تجاوز معدل التضخم 36%، فيما فقد الريال الإيراني نحو نصف قيمته أمام الدولار خلال عام واحد. كما ارتفعت أسعار الغذاء بأكثر من 70%، وسجلت بعض السلع الأساسية زيادات تجاوزت 110%، ما أثقل كاهل المواطنين، خاصة الطبقات الفقيرة والمتوسطة.
وأقر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بمسؤولية الحكومة والبرلمان عن الأزمة الاقتصادية، مؤكدًا أن السياسات المتبعة أوصلت البلاد إلى هذا الوضع، في اعتراف نادر من رأس السلطة التنفيذية. كما فاقمت العقوبات الدولية المرتبطة بالبرنامج النووي، إلى جانب الحرب التي استمرت 12 يومًا مع إسرائيل، من حدة الأزمة، وسط توقعات مؤسسات مالية دولية بدخول الاقتصاد الإيراني مرحلة ركود خلال عام 2026.
وفي محاولة لاحتواء التحركات، فرضت السلطات الإيرانية قيودًا واسعة على الإنترنت، حيث انخفضت حركة البيانات بنحو 35%، وفق بيانات شركة كلاودفلير. وتحدثت تقارير عن مخاوف من انقطاع شبه كامل للإنترنت الدولي، في خطوة تهدف إلى منع تنسيق الاحتجاجات التي يتم تنظيم معظمها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى الحد من تداول الصور ومقاطع الفيديو.
ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات تعكس قلق النظام من تحول الاحتجاجات إلى حركة منظمة واسعة، خاصة مع انتشارها في مناطق ذات كثافة سكانية عالية، بالتزامن مع نشر أمني مكثف في محيط الساحات والمنشآت الحيوية، واستخدام القوة لفرض السيطرة الميدانية.
وتزامن التصعيد الداخلي مع توتر في الخطاب السياسي الخارجي، عقب تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب لوّح فيها بإمكانية التدخل لحماية المحتجين إذا لجأت السلطات إلى إطلاق النار. وقد أثارت هذه التصريحات ردود فعل غاضبة من طهران، حيث حذّر المجلس الأعلى للأمن القومي من اتخاذ “إجراءات استباقية” ضد أي محاولة لاستغلال الاحتجاجات.
ويرى محللون في معهد تشاتام هاوس أن هذه الاحتجاجات، رغم أنها لم تصل بعد إلى مستوى موجة 2022 أو احتجاجات 2019، إلا أنها تعكس أزمة شرعية عميقة وتآكل الثقة بين الشارع والنظام. كما أن شخصية ترامب غير المتوقعة، وسوابق التدخل الأميركي، تزيد من قلق القيادة الإيرانية، خاصة في ظل بيئة إقليمية مضطربة وضغوط اقتصادية غير مسبوقة.
>
