مرتبات مارس تصل قبيل العيد.. وفرحة الموظفين تتعثر بأزمة الـ 100 ريال

السياسية - منذ 3 ساعات و دقيقتان
عدن، نيوزيمن، خاص:

مع اقتراب عيد الفطر المبارك، انتظر آلاف الموظفين الحكوميين في العاصمة عدن صرف مرتباتهم لشهر مارس بفرحةٍ تعوّض شهورًا من الضغوط المعيشية. غير أن هذه الفرحة لم تكتمل؛ إذ تحولت لحظة استلام الراتب إلى بداية معاناة جديدة، بعدما صُرفت المرتبات بالكامل تقريبًا من الفئات النقدية الصغيرة، خصوصًا فئة 100 ريال، وهي فئة يرفض كثير من التجار وأصحاب المحال التعامل بها بسبب صعوبة تداولها في المعاملات اليومية.

تقف "أم رامي"، وهي موظفة حكومية في عدن، أمام أحد المحال التجارية في مديرية الشيخ عثمان محاولة شراء احتياجات أطفالها استعدادًا للعيد. غير أن البائع يرفض قبول رزمة الأوراق النقدية التي تحملها، مبررًا ذلك بأن عدّها يستغرق وقتًا طويلًا. الأم حاولت جاهدة إقناع البائع وغيره ممن في السوق قبول نقودها ولكن دون جدوى قبل أن ينكسر قلبها لتعود إلى منزلها دون شراء الاحتياجات الضرورية.

المشهد الذي تواجهه أم رامي لم يعد استثناءً، بل أصبح حالة متكررة في عدن والمناطق المجاورة. فبعد انتظار طويل لتسلّم الرواتب، وجد الموظفون أنفسهم أمام مشكلة جديدة؛ إذ إن المبالغ المحدودة التي لا تكفي أصلًا لتغطية الاحتياجات الأساسية صُرفت بالكامل تقريبًا من فئة 100 ريال، وهي أقل الفئات تداولًا في السوق المحلية.

ويعكس هذا الواقع جانبًا إنسانيًا لأزمة نقدية متفاقمة تضرب الاقتصاد اليمني، حيث لم تعد التحديات المعيشية مقتصرة على الفئات الأشد فقرًا، بل امتدت آثارها لتطال مختلف شرائح المجتمع، في ظل شحّ الفئات النقدية الكبيرة وعدم قابلية بعض الفئات المتاحة للتداول بسهولة.

سيولة متوفرة.. لكنها شبه معطلة

في محاولة لمعالجة أزمة السيولة، ضخّ البنك المركزي اليمني مؤخرًا كميات كبيرة من العملة المحلية من فئة 100 ريال. إلا أن هذه الخطوة لم تحقق النتائج المرجوة، بل أدت إلى مزيد من الارتباك في التعاملات التجارية اليومية.

فقد امتنع عدد من التجار وشركات الصرافة عن قبول هذه الفئة، معتبرين أن استخدامها في عمليات البيع والشراء يتطلب حمل كميات كبيرة من الأوراق النقدية، ما يجعل التعامل بها مرهقًا ويستغرق وقتًا طويلًا. ونتيجة لذلك، تحولت السيولة المتوفرة نظريًا إلى كتلة نقدية شبه معطلة داخل الدورة الاقتصادية.

وعلى منصات التواصل الاجتماعي، عبّر كثير من اليمنيين عن استيائهم من هذه الاضطرابات النقدية التي تزامنت مع ذروة الموسم التجاري قبل العيد، إضافة إلى القيود المفروضة على سحب الأموال من البنوك وشركات الصرافة، فضلًا عن السقوف المحدودة لتحويل العملات الأجنبية إلى الريال اليمني غالبًا بفئات غير مرغوبة في السوق.

ويرى الصحفي المهتم بالشأن الاقتصادي ماجد الداعري أن الأزمة الحالية تعكس خللًا عميقًا في إدارة السياسة النقدية. وأوضح في منشور له على صفحته في فيسبوك أن استمرار إخفاء نحو 3 تريليونات ريال من العملة المحلية الجديدة خارج السوق والدورة المالية للشهر الثالث على التوالي يكشف عن مخاطر حقيقية تهدد استقرار القطاع المصرفي وقيمة العملة الوطنية.

وأشار الداعري إلى أن عجز البنك المركزي عن اتخاذ إجراءات حازمة بحق مكتنزي العملة من بعض البنوك وشركات الصرافة أسهم في إحياء المضاربات بسوق الصرف، والضغط باتجاه خلق انطباع بتحسن قيمة العملة المحلية على حساب المواطن.

وأضاف أن المواطن يجد نفسه ضحية لمعاناة مزدوجة؛ فمن جهة يواجه استمرار ارتفاع الأسعار، ومن جهة أخرى يخسر القيمة الحقيقية لدخله أو مدخراته من العملات الأجنبية. كما حذّر من أن استمرار الفجوة بين ارتفاع الأسعار وتحسن سعر الصرف قد يقود إلى "كارثة اقتصادية حقيقية وانتكاسة مصرفية صادمة"، مؤكدًا أن ضخ مليارات الريالات من الفئات الصغيرة وحدها لن يكون حلًا للأزمة، بل قد يكون بداية تفاقمها إذا لم تُعالج جذورها.

وبيّن أن الأزمة تعود إلى ثلاثة أسباب رئيسة، أبرزها عجز البنك المركزي عن تحقيق توازن بين العملات الأجنبية المتراكمة والريال اليمني المختفي من السوق، إضافة إلى تراخي الحكومة في تحصيل الموارد السيادية واستمرار مظاهر الفساد، فضلًا عن ما وصفه بتلاعب بعض البنوك والصرافين وكبار التجار الذين يعمدون إلى إخفاء العملة المحلية ترقبًا لتحسن قيمتها في المستقبل.

تحذيرات حكومية.. وتدخلات مطلوبة

من جانبه، أكد فارس النجار، مستشار مكتب رئاسة الجمهورية للشؤون الاقتصادية، أن الفئات النقدية الجديدة من فئتي 100 و200 ريال الصادرة عن البنك المركزي في عدن تعد عملة قانونية ملزمة التداول، ويجب قبولها في جميع المعاملات التجارية والمالية دون استثناء.

وأوضح النجار أن البنك المركزي يتابع أي ممارسات تتعلق برفض التعامل بهذه الفئات من قبل بعض محلات الصرافة أو الأنشطة التجارية، مؤكدًا أن الجهات المختصة ستتعامل بحزم مع أي مخالفة تمس الثقة بالعملة الوطنية أو تعرقل تداولها في الأسواق.

وأشار إلى أن الجهات التي ترفض التعامل بالفئات النقدية المعتمدة قد تواجه إجراءات قانونية ورقابية صارمة، قد تصل إلى فرض عقوبات أو سحب التراخيص بالنسبة للمنشآت المخالفة. كما لفت إلى أن المادة (205) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني تنص على أن الامتناع عن قبول العملة الوطنية المتداولة يعد مخالفة قانونية يعاقب عليها بالحبس لمدة قد تصل إلى ثلاثة أشهر أو بالغرامة.

ودعا النجار المواطنين إلى الحفاظ على الثقة بالعملة الوطنية والإبلاغ عن أي حالات رفض للتعامل بالفئات النقدية المعتمدة، مؤكدًا أن استقرار النظام النقدي يمثل أولوية للحكومة والبنك المركزي.

في المقابل، يرى خبراء اقتصاديون ومصرفيون أن الأزمة تتطلب تدخلات أعمق من مجرد ضخ الفئات الصغيرة في السوق. ويؤكدون أن البنك المركزي مطالب بتبني معالجات نقدية مبكرة ومبتكرة لإعادة التوازن إلى السوق، إلى جانب ضرورة توفير دعم حكومي كامل لوقف ما وصفوه بحالة "العبث" في المنظومة النقدية.

ويشدد هؤلاء الخبراء على أهمية اضطلاع البنك المركزي ووزارة المالية والجهات الحكومية بمسؤولياتها في ضبط السياسات النقدية والمالية، والعمل على إعادة الدورة النقدية إلى مسارها الطبيعي، مع اتخاذ إجراءات فعّالة لسحب الأموال المخزّنة خارج الجهاز المصرفي.

ويحذرون من أن استمرار شحّ السيولة يمثل أحد أبرز مؤشرات الاختلال في السياسة النقدية، وقد يفتح الباب أمام موجة جديدة من المضاربات في سوق الصرف. ورغم امتلاك البنك المركزي الأدوات اللازمة للتعامل مع مثل هذه الأزمات كما حدث في تجارب سابقة، فإن نجاح أي معالجة يظل مرهونًا بسرعة وفاعلية التدخلات الحالية.

وفي حين أن التعامل بجميع الفئات النقدية يبقى التزامًا قانونيًا، يؤكد الخبراء أن ضخ كميات كبيرة من الفئات الصغيرة وحدها لن يكون كافيًا لإنهاء الاختلالات القائمة في السوق، ما لم تُتخذ إجراءات شاملة تعيد الثقة بالنظام المصرفي وتضمن استقرار الدورة النقدية في البلاد.