التصعيد في باب المندب.. تحدٍ مباشر للأمن البحري الدولي والاقتصاد العالمي
السياسية - منذ ساعة و 36 دقيقة
عدن، نيوزيمن، خاص:
تشهد منطقة الخليج والبحر الأحمر حالة من القلق الدولي المتزايد، في أعقاب تصريحات جماعة الحوثي التي كشفت عن تحول استراتيجي في موقفها من النزاعات الإقليمية. فالجماعة التي كانت تكتفي بالدعم المعنوي لإيران، أعلنت استعدادها للمشاركة العسكرية المباشرة في حال اندلاع أي مواجهة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل.
ويعكس هذا التحول تصعيداً نوعياً قد يعيد رسم خريطة التهديدات في المنطقة، خصوصًا في ظل العمليات العسكرية الأخيرة التي استهدفت مواقع إيرانية بعد اغتيال المرشد الأعلى الإيراني وقصف منشآت إيرانية خلال الأسابيع الماضية، ما يعزز من احتمالات تحول الأزمة إلى مواجهة عسكرية شاملة.
ويترافق هذا التصعيد مع حالة ترقب دولي، حيث تراقب العواصم الكبرى في الشرق الأوسط، أوروبا، وأميركا بدقة تطورات الأوضاع في البحر الأحمر، خاصة مع أهمية مضيق باب المندب كأحد الممرات المائية الحيوية، الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي ويستخدم سنوياً لنقل أكثر من 23% من التجارة العالمية، بما في ذلك ملايين البراميل النفطية.
وجاء أعلن محمد البخيتي، عضو المجلس السياسي الأعلى للحوثيين، ليؤكد أن الجماعة تجاوزت مرحلة الدعم المعنوي لإيران إلى اتخاذ موقف حاسم بالمشاركة العسكرية المباشرة، مؤكدًا أن قرارهم نهائي وأن المشاركة في أي مواجهة ضد الولايات المتحدة أو إسرائيل "مسألة وقت فقط".
وتعكس هذه التصريحات تحولاً استراتيجياً في سلوك الحوثيين، إذ لم يعد الدعم الإيراني يقتصر على الإمدادات اللوجستية أو التدريب العسكري، بل أصبح مرتبطًا بخيار المواجهة المباشرة، ما يزيد من تعقيد الوضع الأمني في المنطقة. وفي الوقت نفسه، عزز عبد الملك الحوثي موقف الجماعة من خلال تصريح متلفز أكد فيه التزامه بالوقوف إلى جانب إيران، ما يشير إلى أن الجماعة تسعى لاستخدام هذا التصعيد كورقة ضغط دولية، وربما لتثبيت مكانتها ضمن ما يُعرف بـ"محور المقاومة".
وردًا على هذا التصعيد، أصدر وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي والمملكة المتحدة بيانًا مشتركًا شددوا فيه على أهمية حماية الممرات البحرية الاستراتيجية، بما يشمل مضيق باب المندب. وأكد البيان على حق دول المجلس في الدفاع عن نفسها جماعياً وفردياً، خاصة في مواجهة التهديدات الإيرانية، مشددًا على الدور الحيوي لهذه الإجراءات لضمان استمرار التجارة العالمية واستقرار أسواق الطاقة.
كما أعرب البيان عن تقدير دول الخليج للمبادرة البريطانية بتعزيز قدراتها الدفاعية في المنطقة، في حين تم التأكيد على أن حماية المجال الجوي الإقليمي والممرات البحرية ليست مسؤولية خليجية فقط، بل تمثل التزامًا دوليًا للحفاظ على استقرار الاقتصاد العالمي، وضمان عدم تعطيل إمدادات النفط والغاز الأساسية للأسواق الدولية.
ويرى خبراء عسكريون أن تهديد الحوثيين وإيران بإغلاق مضيق باب المندب لا يعني حصارًا مباشرًا بالضرورة، بل قد يأخذ شكل هجمات محدودة تستهدف سفنًا معينة، أو تصعيدًا تدريجيًا يؤثر على الملاحة الدولية. وقد يدفع هذا الشركات إلى الالتفاف حول طرق بديلة مثل رأس الرجاء الصالح، ما يزيد مدة الشحن وتكاليف النقل وأقساط التأمين.
وتشير التقارير الاستخباراتية الدولية إلى أن الحوثيين سيكونون أداة التنفيذ الرئيسية لإيران، إذ قد يقومون باستهداف السفن المرتبطة بالمصالح الأمريكية والإسرائيلية، بما يخلق حالة من عدم اليقين التشغيلي، كما حدث في مضيق هرمز في فبراير 2026، ما يرفع مستويات الخطر على حركة التجارة البحرية العالمية ويزيد احتمالات تدخل التحالفات الدولية لحماية الملاحة.
ويحذر محللون اقتصاديون من أن أي إغلاق محتمل لمضيق باب المندب سيؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، تتراوح نسبته بين 30 و50% خلال أيام، نتيجة توقف مرور نحو 6 إلى 7 ملايين برميل يوميًا من النفط.
كما سيتأثر إمداد الغاز الطبيعي المسال، وخاصة من قطر، وتتعطل سلاسل التوريد العالمية عبر قناة السويس، حيث سيكون البديل الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، ما يزيد مدة الرحلة 10 إلى 14 يوماً ويزيد تكاليف الشحن والوقود وأقساط التأمين بشكل كبير، وهو ما سينعكس على أسعار السلع الأساسية في أوروبا وآسيا.
إضافة لذلك، الدول المطلة على القرن الإفريقي مثل جيبوتي وإريتريا والصومال ستعاني من انخفاض عائدات الموانئ وزيادة تكاليف الواردات والصادرات، في حين ستواجه إثيوبيا، الدولة الحبيسة، زيادة كبيرة في أسعار النقل، ما يفاقم الأزمات الاقتصادية الإقليمية.
وأكد دكتور القانون الدولي والعلاقات الدولية، الحسن أبكاس، أن إغلاق المضيق يعد خرقًا صريحًا للقانون الدولي للبحار، لا سيما اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي تضمن حق المرور العابر للمضائق الدولية. وأوضح أن القرار 2817 لمجلس الأمن يؤكد حق الدول الأعضاء في الدفاع عن سفنها التجارية والعسكرية ضد أي هجمات أو استفزازات، مما يتيح إمكانية تدخل عسكري دولي لحماية الملاحة.
وأشار أبكاس إلى أن تنفيذ أي تهديد من هذا النوع سيعرض إيران لمسؤولية دولية مباشرة، وعقوبات إضافية، فضلاً عن زيادة عزلة طهران الدبلوماسية، مؤكداً أن هذه التهديدات تمثل ورقة ضغط سياسية أكثر من كونها خطوة عملية، لكنها في الوقت ذاته تحمل مخاطر كبيرة لإيران نفسها وللاقتصاد العالمي.
ويشير الخبراء إلى أن أي تصعيد إيراني عبر الحوثيين قد يؤدي إلى تدويل النزاع البحري في البحر الأحمر، مع احتمالية تدخل الأسطول الخامس الأمريكي والقوات الأوروبية لضمان مرور السفن التجارية. كما قد يمتد النزاع إلى القرن الإفريقي، ما يخلق ساحات صراع جديدة بين الجماعات المسلحة المحلية والدول الكبرى، ويهدد استقرار دول مثل جيبوتي وإريتريا والصومال، خصوصًا مع التهديدات الإيرانية المباشرة لمصالحها الاقتصادية.
>
