تركيا على حافة المواجهة.. تحليل يكشف الخطوط الحمراء لأنقرة في الصراع مع إيران

السياسية - منذ ساعة و 32 دقيقة
واشنطن، نيوزيمن:

في وقت تتصاعد فيه وتيرة المواجهة الإقليمية وتتشابك فيها الحسابات العسكرية والسياسية، تجد تركيا نفسها أمام اختبار معقد يفرض عليها التوازن بين تجنب الحرب وحماية أمنها القومي. 

تحليل موسّع نشرته "ذا ناشيونال انترست" يكشف ملامح هذه المعادلة، مسلطًا الضوء على الخطوط الحمراء التي قد تدفع أنقرة إلى تغيير موقفها الحذر تجاه الصراع الإيراني. ويوضح التحليل أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يتجنب الانخراط في الحرب، ليس فقط لأسباب استراتيجية، بل أيضًا نتيجة حسابات داخلية مرتبطة بالانتخابات المقبلة ومستقبل حزبه السياسي، في ظل تراجع شعبيته وتزايد الانتقادات من المعارضة.

التطور الأبرز الذي يضع أنقرة في موقف حرج يتمثل في اختراق صواريخ إيرانية للمجال الجوي التركي خلال الأسابيع الماضية، قبل أن تعترضها دفاعات حلف شمال الأطلسي. هذه الحوادث، التي كان من بينها إسقاط صاروخ فوق غازي عنتاب في 9 مارس، أثارت مخاوف جدية بشأن احتمال تحول الأراضي التركية إلى ساحة صراع غير مباشر.

ورغم أن أنقرة لا تزال تؤكد التزامها بعدم الانخراط في الحرب، فإن نبرة التحذير تجاه طهران باتت أكثر حدة. فقد حذر أردوغان من استمرار "الأخطاء"، بينما دعا وزير الخارجية هاكان فيدان إيران إلى ضبط النفس، في مؤشر على أن صبر تركيا بدأ يقترب من حدوده القصوى.

ويشير التحليل الذي أعدّه الباحث سنان سيدي، من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD) في واشنطن، إلى أن أحد الأهداف المحتملة للهجمات الإيرانية هو قاعدة إنجرليك الجوية، التي تعد من أهم المنشآت العسكرية في المنطقة. هذه القاعدة تمثل مركزًا حيويًا لعمليات حلف شمال الأطلسي في الشرق الأوسط، وتضم قوات أمريكية وأسلحة استراتيجية، ما يجعل استهدافها يحمل أبعادًا تتجاوز تركيا ليطال توازنات دولية أوسع.

ويؤكد التحليل أن أي نجاح إيراني في ضرب هذه القاعدة قد يدفع الحلف إلى تفعيل المادة الخامسة، التي تنص على الدفاع الجماعي، وهو ما قد يفتح الباب أمام مواجهة أوسع لا ترغب أنقرة في الوصول إليها.

وتمتلك تركيا جيشًا تقليديًا قويًا، إلى جانب صناعة دفاعية متقدمة، تشمل طائرات مقاتلة من طراز F-16 Fighting Falcon، إضافة إلى الطائرات المسيرة التي أثبتت فعاليتها في عدة ساحات. ومع ذلك، فإن قرار استخدام هذه القوة لا يتوقف على الجاهزية العسكرية فقط، بل يرتبط بشكل وثيق بالمزاج الشعبي الداخلي.

ففي ظل تراجع شعبية الحكومة، يدرك أردوغان أن أي انخراط عسكري واسع قد يحمل مخاطر سياسية، خاصة مع اقتراب انتخابات قد تكون الأكثر حساسية في تاريخ البلاد الحديث.

سيناريوهات قد تشعل المواجهة

يحدد التحليل ثلاثة مسارات رئيسية قد تدفع تركيا إلى التدخل العسكري. أولها، نجاح هجوم إيراني يصيب هدفًا داخل الأراضي التركية، سواء كان عسكريًا أو مدنيًا، ما سيجبر أنقرة على الرد حفاظًا على هيبتها وسيادتها. أما المسار الثاني، فيتعلق بتصاعد الضغوط من الحلفاء، خاصة في ظل استهداف إيران ووكلائها لمصالح تركية في مناطق مثل أذربيجان وقبرص، حيث تسعى أنقرة للحفاظ على نفوذها وشراكاتها الاستراتيجية.

بينما يرتبط المسار الثالث بالملف الكردي، إذ تثير احتمالات تصاعد نشاط جماعات مثل حزب الحياة الحرة الكردستاني، المرتبط بـحزب العمال الكردستاني، مخاوف تركية من فتح جبهة جديدة على حدودها، ما قد يدفعها إلى عمليات عسكرية استباقية.

واحدة من أبرز النقاط التي يطرحها التحليل هي أن تركيا لا تسعى إلى إسقاط النظام الإيراني بالكامل، بل تفضل بقاءه في حالة ضعف. فوجود إيران كقوة إقليمية منهكة، لكنه مستمر، يحقق – من وجهة نظر أنقرة – توازنًا في مواجهة قوى أخرى، ويمنحها مساحة أوسع للتحرك في الشرق الأوسط.

غير أن هذه الاستراتيجية تحمل في طياتها تناقضًا واضحًا، إذ أن استمرار الضربات الإيرانية أو توسعها قد يفرض على تركيا التخلي عن هذا التوازن والدخول في مواجهة مباشرة.

وعلى الصعيد الداخلي، يواجه أردوغان تحديات متزايدة، حيث يشن حزب الشعب الجمهوري حملة انتقادات تتهمه بالتساهل مع إيران. كما أن التراجع في الشعبية، إلى جانب الجدل حول مستقبل الحكم ودور شخصيات مثل بلال أردوغان، يزيد من حساسية أي قرار عسكري.

ويؤكد التحليل أن الرأي العام التركي سيكون عاملًا حاسمًا في تحديد مسار أنقرة، إذ قد يقبل برد محدود في حال تعرضت البلاد لهجوم مباشر، لكنه قد يرفض الانخراط في حرب طويلة أو مفتوحة.

في المجمل، ترسم هذه المعطيات صورة لدولة تسير على حافة التوازن الدقيق؛ فهي تحاول تجنب الحرب دون إظهار ضعف، وتحافظ على تحالفاتها دون الانجرار إلى صراعاتها. وبينما تتزايد الضغوط الإقليمية والدولية، تبقى "الخطوط الحمراء" التركية مرهونة بتصرفات طهران، وقدرة أنقرة على إدارة هذا التحدي المركب دون خسائر استراتيجية كبرى.