استعادة اسم الحرب… قراءة في خطاب طارق صالح بالساحل الغربي
السياسية - منذ ساعة و 41 دقيقة
نيوزيمن، كتب/سمير رشاد اليوسفي:
هناك كلمات تُقال لكي تُسمَع، وكلمات تُقال لكي تُسجَّل، وكلمات أخرى تُقال لكي تغيِّر ترتيب المشهد نفسه. ومن هذا النوع الأخير، في تقديري، كانت كلمة الفريق طارق صالح في الساحل الغربي. لم تكن خطاباً إلى الجنود وحدهم، بل كانت محاولة لإعادة تعريف الحرب، لا كما يريد الحوثي أن يرويها، بل كما ينبغي أن تُفهم في سياقها اليمني والعربي الأوسع.
ذلك أن أخطر ما تفعله الحروب ليس القتل وحده، وإنما الخلط في المعاني. تبدأ المعركة واضحة، ثم تتراكم فوقها الشعارات، وتتشابك حولها الحسابات، حتى يكاد الأصل أن يضيع تحت العناوين الطارئة. ومن هنا جاءت أهمية هذه الكلمة: فهي لا تكتفي برفع المعنويات، بل تسعى إلى ردِّ الحرب إلى أصلها، وإعادة الحوثي إلى صورته الأولى، قبل أن تختلط في صورته حدود المحلي بالإقليمي، والسياسي بالدعائي.
وحين يصرّ طارق صالح على أن الحرب مع الحوثي لم تبدأ اليوم، ولا مع التوتر الإقليمي الأخير، وإنما منذ 2004، فهو لا يستدعي التاريخ للتذكير فقط، بل لتثبيت معنى الصراع نفسه. لأن من يحدد لحظة البداية، يحدد طبيعة المعركة، ويحدد من انقلب ومن يحاول إعادة صياغة تاريخه.
ومن هنا أيضاً تكتسب عبارته عن إسرائيل بوصفها «ذريعة» دلالتها السياسية. فهذه ليست جملة سجالية في خطاب تعبوي، بل محاولة واضحة لنزع الغطاء الذي سعى الحوثي إلى الاحتماء به في المرحلة الأخيرة. والمعنى هنا أن القضايا الكبرى لا ينبغي أن تُستعار لتبرير انقلاب قديم على الدولة، ولا أن تمنح الجماعة التي خاضت حربها مع اليمنيين منذ سنوات صك عبور أخلاقي لمجرد أنها رفعت شعاراً أكبر منها.
وهذه، في تقديري، هي معركة الرواية قبل معركة المواقع. لأن الجماعة التي تخسر روايتها، تبدأ بخسارة جزء من قدرتها على الصمود. وطارق صالح يدرك، فيما يبدو، أن الحوثي حاول، خلال الأشهر الأخيرة، أن يخفف من صورته كميليشيا محلية مرتبطة بالمشروع الإيراني، عبر إدخال نفسه في عنوان أوسع. فجاء خطابه ليغلق هذا الباب، ويقول إن صدقية أي شعار لا تُقاس بما يُقال عنه، بل بما تكشفه الوقائع على الأرض.
غير أن الخطاب لا يكتفي بإعادة تعريف العدو، بل يعيد تعريف الجبهة المقابلة أيضاً. وهذه نقطة جوهرية. فحين يمر على أسماء التشكيلات واحداً واحداً، من المقاومة الوطنية إلى حراس الجمهورية، ومن الألوية التهامية إلى البحرية، ومن الجيش إلى العمالقة والطوارئ ودرع الوطن ودفاع شبوة، فهو لا يوزع التحية فقط، بل يجمع الخريطة. كأنه يقول إن هذه ليست أسماء متجاورة فحسب، بل عناصر في جملة واحدة، وإن اختلاف المسميات لا ينبغي أن يحجب وحدة الغاية.

ومع ذلك، فإن هذه الوحدة التي يطلبها الخطاب لا تُفهم بوصفها خروجاً على الإطار القائم، بل بوصفها تحركاً من داخله. فالرجل يتكلم هنا من أحد مواقع الشرعية اليمنية، وفي لحظة ما تزال فيها مؤسسات الدولة ومرجعياتها السياسية والعسكرية هي المظلة الجامعة لمعركة الاستعادة، فيما تبقى المساندة العربية التي يقودها تحالف دعم الشرعية بقيادة المملكة العربية السعودية حاضرة في الخلفية، بوصفها السقف السياسي والإقليمي لهذه المعركة.
ولذلك، فإن تكرار مفردات مثل «الجمهورية» و«الدولة» و«المؤسسات» و«صنعاء» لا يأتي في النص كزينة لفظية، بل كأعمدة بناء. فالمقصود ليس تثبيت التعدد لذاته، بل ردَّه إلى عنوان أعلى منه: عنوان الدولة التي تحاول أن تستعيد نفسها، لا عبر إلغاء تنوع قواها، بل عبر توحيد المعنى الذي تقاتل من أجله.
وصنعاء، في هذا السياق، ليست مجرد هدف تالٍ في الحساب العسكري. إنها رمز الدولة حين تُختصر، والسيادة حين تُنتقص، والكرامة حين تُمس. وحين تتجاور في الخطاب كلمات مثل العاصمة، والدولة، والسيادة، والحرية، فإننا لا نكون أمام تحديد لمسرح عمليات فقط، بل أمام محاولة لنقل المعركة من لغة الجبهة إلى لغة الدولة.
لكن الأهم من ذلك أن الخطاب لا يحصر المعركة في داخلها اليمني، بل يمدها إلى إطار عربي أوسع. فهو يقدِّم الحوثي لا كخصم داخلي منحرف وحسب، بل كأداة في مشروع إيراني يهدد اليمن، ويطال الخليج، ويمس البحر الأحمر، ويقترب من الممرات التي تتصل بأمن المنطقة والتجارة الدولية. وهذا التوسيع ليس ترفاً خطابياً، بل جزء من تثبيت مشروعية المواجهة، لأن ما يتهدد اليمن هنا لا يبقى داخل حدوده وحدها.
ومن هذه الزاوية، يكتسب الساحل الغربي معناه الكامل في الكلمة. فهو ليس مجرد قطاع قتالي، ولا حافة بحرية في دولة مثقلة بالحرب، بل نقطة تماس بين ثلاث دوائر: دائرة الدولة اليمنية التي تسعى إلى استعادة مؤسساتها، ودائرة الأمن العربي المهدد، ودائرة البحر الأحمر بما يمثله من وزن استراتيجي. ومن يقف في هذا الموضع، وبهذه اللغة، لا يتحدث عن جبهة معزولة، بل عن عقدة تتصل بما هو أكبر من حدودها المباشرة.
ولعل ذلك يفسر أن الخطاب، رغم حرارته الميدانية، كان منضبطاً في رسائله. فهو، إلى الجنود، يقول إنهم في موقع دفاع عن الجمهورية؛ وإلى اليمنيين في مناطق الحوثي، يبعث برسالة مفادها أن المعركة ليست مع المجتمع، بل مع من صادر الدولة؛ وإلى الإقليم، يلمّح إلى أن هذه الجبهة ليست عبئاً على محيطها العربي، بل جزء من دفاعه عن نفسه. وفي هذا السياق تحديداً، يمكن قراءة خطابه الأخير، لا باعتباره مجرد دفعة معنوية لقوات عائدة من الجبهة، بل كمحاولة لتصحيح البوصلة، وإعادة الانتباه إلى العنوان الأول: معركة الدولة ضد الانقلاب، لا معركة الشعارات التي يحاول الحوثي أن يختبئ خلفها. وهذا المعنى ينسجم مع مواقف علنية أخرى شدّد فيها على أن أولوية المرحلة هي استعادة الجمهورية، ورفع الجاهزية في مختلف الجبهات.

وتبقى العبارة الأشد تأثيراً هي قوله إن «معركة الخلاص» قريبة. فهذه الجملة، في ظاهرها، تبدو من جنس ما تقوله القيادات لرفع المعنويات، لكنها، في باطنها، أقرب إلى إعلان عن الانتقال من طور الاحتمال إلى طور التهيؤ. وليس مهماً هنا أنها تعد بالنصر فقط، بل إنها تربط هذا الوعد بما هو أكثر صرامة: الجاهزية، والتدريب، والاستعداد. وهي كلها إشارات إلى أن الحشد المعنوي يُراد له أن يجد ترجمته في الميدان، لا أن يبقى معلقاً في الهواء.
غير أن هذا المستوى من التعبئة لا يكتمل معناه إلا إذا اقترن بانضباط عملي يوازيه. وهنا تبدو الإشارة إلى الجاهزية، وصيانة السلاح، وتطوير البنية القتالية ذات دلالة خاصة. فهي تقول إن الخطاب لا يريد أن يظل في حدود التحفيز اللفظي، بل أن يجد أثره في منظومة قادرة على حمل المعركة إذا انتقلت من مرحلة الصمود إلى مرحلة المبادرة. وهو مطلب لا يتعارض مع التنوع الميداني، بل يحميه من التشتت، ويجعله قادراً على ترجمة الرواية الموحدة إلى تقدم ملموس على الأرض، دون أن يفقد تماسكه تحت وطأة الحسابات اللوجستية أو انقسامات القيادة.
وهكذا، فإن هذه الكلمة، إذا أُخِذت في عمقها لا في ظاهرها، تقول شيئاً يتجاوز المناسبة. إنها تقول إن الحرب يجري الآن استرداد اسمها. وتقول إن الحوثي يُراد إعادته من صورة «الفاعل الإقليمي» التي يحاول أن يلبسها لنفسه، إلى صورته الأصلية: أداة انقلابية في مشروع خارجي. وتقول إن الجبهة المناهضة له لا تستطيع أن تبقى موزعة بين عناوين متجاورة، إذا أرادت أن تقنع اليمنيين والعرب معاً بأنها تمثل البديل الممكن، في إطار الدولة لا خارجها.
في هذا المعنى، لم يكن طارق صالح يخطب في رجال عادوا إلى الساحل فحسب، بل كان يوجّه خطابه إلى الداخل اليمني، وإلى الإقليم، في آن واحد. ولم يكن يرفع معنويات وحدات قتالية بقدر ما كان يجرب لغة مرحلة جديدة: لغة تقول إن الطريق إلى صنعاء لا يبدأ من الجغرافيا وحدها، بل من استعادة الرواية، وتسمية العدو باسمه، وجمع المتفرقين تحت اسم الدولة، قبل أن تبدأ البنادق في كتابة الفصل التالي.
من صفحة الكاتب على إكس

>
