اللعب على الحافة.. الحوثيون يختبرون حدود التصعيد الإقليمي بهجمات محدودة
السياسية - منذ ساعة و 36 دقيقة
واشنطن، نيوزيمن، خاص:
كشف تقرير حديث صادر عن معهد دراسة الحرب ISW الأمريكي عن ملامح استراتيجية دقيقة تتبعها ميليشيا الحوثي بعد انخراطها في الحرب إلى جانب إيران، تقوم على "التصعيد المحسوب" دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تهدد وجودها.
أوضح التقرير أن الحوثيين دخلوا فعلياً في مسار الحرب الإقليمية، لكنهم اختاروا بعناية طبيعة هذا الانخراط، حيث تجنبوا الانضمام إلى الحملة الاقتصادية الإيرانية التي تستهدف المصالح الإقليمية والدولية. ويعكس هذا السلوك، بحسب التقرير، رغبة واضحة في الحفاظ على توازن دقيق بين إظهار الدعم لحلفائهم في طهران، وبين تجنب استثارة ردود فعل عسكرية واسعة من الولايات المتحدة وحلفائها.
ورغم إطلاق تهديدات متكررة بتوسيع العمليات في المنطقة، يرى التقرير أن هذه التهديدات تندرج ضمن أدوات الضغط السياسي والنفسي، أكثر من كونها مؤشراً على نية فعلية للتصعيد الفوري، إذ تظل مرتبطة بشروط محددة، أبرزها تجاوز ما تعتبره الجماعة "خطوطاً حمراء" مثل تدخل مباشر لدول الخليج أو إطلاق عمليات برية ضد إيران.
ويشير التقرير إلى أن استهداف إسرائيل يمثل الخيار الأكثر تفضيلاً لدى الحوثيين في هذه المرحلة، كونه يحقق عدة أهداف في آن واحد. فمن جهة، يمنح الجماعة فرصة لإظهار انخراطها في محور المقاومة وتعزيز خطابها السياسي، ومن جهة أخرى يقلل من احتمالات الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع قوى إقليمية أو دولية كبرى.
وقد واصل الحوثيون خلال عام 2025 تنفيذ هجمات صاروخية وبالطائرات المسيّرة ضد إسرائيل، حتى بعد تقليص عملياتهم في البحر الأحمر، مستفيدين من محدودية الرد الدولي على هذه الهجمات. ويرى التقرير أن هذا النمط من العمليات يعزز قناعة الجماعة بأن استهداف إسرائيل يظل "أقل الخيارات كلفة"، خاصة في ظل اقتصار الردود الإسرائيلية على ضربات محدودة التأثير زمنياً، غالباً ما تُستخدم داخلياً لتعزيز التعبئة الشعبية لصالح الحوثيين.
ويبرز مضيق باب المندب كأحد أهم أدوات الضغط التي يلوّح بها الحوثيون، نظراً لموقعه الحيوي في حركة التجارة العالمية. ويؤكد التقرير أن التهديد بإغلاق هذا الممر أو استهداف الملاحة فيه لا يُستخدم فقط كخيار عسكري، بل كورقة تفاوضية ذات تأثير عالمي.
كما يكشف التقرير عن مستوى متقدم من التنسيق بين الحوثيين وإيران، مدعوماً بمؤشرات ميدانية، بينها وصول عناصر من الحرس الثوري الإيراني إلى اليمن قبل بدء الهجمات، إضافة إلى اعتراف الجماعة بتنسيق عملياتها مع طهران و"حزب الله". ويرى أن أي تصعيد في هذا المضيق من شأنه إحداث اضطراب واسع في سلاسل الإمداد العالمية، ورفع تكاليف الشحن والطاقة بشكل مباشر.
ورغم امتلاك الحوثيين قدرات عسكرية تمكّنهم من استهداف منشآت الطاقة في الخليج أو الملاحة في البحر الأحمر، إلا أن التقرير يستبعد لجوءهم إلى هذا الخيار في المرحلة الحالية. ويعزو ذلك إلى جملة من الاعتبارات، في مقدمتها الخشية من رد عسكري أمريكي واسع قد يؤدي إلى تقويض قدراتهم العسكرية بشكل كبير.
كما أن الحفاظ على التهدئة مع السعودية، التي تشكل ركيزة مهمة للاستقرار النسبي في مناطق سيطرة الحوثيين، يمثل عاملاً حاسماً في هذا القرار. ويشير التقرير إلى أن الجماعة تستفيد اقتصادياً من هذه التهدئة، سواء عبر الترتيبات المالية المرتبطة بها أو من خلال تطلعها للحصول على تنازلات إضافية في أي تسوية سياسية مستقبلية، تشمل التعويضات وتمويل إعادة الإعمار.
ويلفت التقرير إلى أن العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية خلال عامي 2024 و2025 تركت أثراً عميقاً على قدرات الحوثيين، حيث استهدفت البنية التحتية العسكرية، بما في ذلك مواقع إطلاق الصواريخ وشبكات الإمداد، إلى جانب تصفية قيادات بارزة في وحدات الطائرات المسيّرة والصواريخ.
كما طالت هذه الضربات البنية الاقتصادية للجماعة، متسببة بخسائر كبيرة تجاوزت مليار دولار، وهو ما أدى إلى إضعاف مصادر تمويلها. ويرى التقرير أن هذه التجربة لا تزال حاضرة في حسابات الحوثيين، وتشكل عاملاً رادعاً يمنعهم من استئناف هجمات واسعة في البحر الأحمر، خاصة في ظل إدراكهم لكلفة التصعيد.
وعلى الصعيد الداخلي، يحذر التقرير من أن أي انخراط واسع في الحرب الإقليمية قد ينعكس سلباً على تماسك الحوثيين. فقد أدت العقوبات والضربات العسكرية إلى إضعاف قطاعات اقتصادية حيوية، ما أثر على شبكات الولاء القبلية التي تعتمد عليها الجماعة في تثبيت نفوذها.
كما أن الخطاب التعبوي الذي يبرر الهجمات ضد إسرائيل قد لا يكون كافياً لتبرير استهداف دول عربية، وهو ما قد يخلق فجوة بين القيادة والقاعدة الشعبية. ويشير التقرير إلى أن الحوثيين حاولوا خلال الفترة الماضية إعادة صياغة خطابهم لتقديم الحرب الإيرانية باعتبارها جزءاً من صراع أوسع يخدم القضية الفلسطينية، في محاولة لكسب تأييد داخلي أوسع.
ورغم الحذر الظاهر، يؤكد التقرير أن الحوثيين لا يزالون يمتلكون القدرة على تصعيد عملياتهم إذا ما تغيرت الظروف. وتشمل السيناريوهات المحتملة استهداف منشآت الطاقة في الخليج، أو مهاجمة مواقع أمريكية في المنطقة، أو استئناف الهجمات على الملاحة الدولية في البحر الأحمر.
لكن التقرير يحذر من أن هذه الخيارات تنطوي على مخاطر كبيرة، ليس فقط بسبب احتمالات الرد العسكري، بل أيضاً لأن فشل الحوثيين في تنفيذ تهديداتهم قد يضعف قدرتهم على الردع، وهي إحدى أهم أدوات نفوذهم في الداخل والخارج.
وخلص تقرير معهد دراسة الحرب الأمريكي إلى أن الحوثيين يعتمدون استراتيجية تقوم على "الضغط دون الانفجار"، حيث يسعون إلى تحقيق مكاسب سياسية وإقليمية من خلال تصعيد محدود ومدروس، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تهدد توازنهم العسكري والاقتصادي. وبين هذه الحسابات المتشابكة، يبقى سلوك الجماعة مرهوناً بتطورات الصراع الإقليمي، وحدود الصبر الدولي تجاه تحركاتها.
>
