"الخُمس" والسلطة الموازية.. اقتصاد ديني يرسم خريطة النفوذ في إيران

السياسية - منذ ساعتان و 30 دقيقة
واشنطن، نيوزيمن، ترجمة:

سلّط "منتدى الشرق الأوسط" الضوء على تشابك العلاقة بين الدولة والمؤسسات الدينية غير الرسمية، معتبرًا أن فهم الرأي العام والشرعية داخل المجتمع الإيراني لا يمكن حصره في الإطار السياسي الرسمي وحده، بل يمتد إلى منظومة دينية–اجتماعية أكثر تعقيدًا، يتصدرها نظام "الخُمس".

وأشار تحليل الباحث المتخصص في حل النزاعات والشؤون الاستراتيجية محمد طه علي إلى أن الدولة في إيران تحدد المسار السياسي الرسمي ومن يتولى الحكم، بينما تتشكل موازين النفوذ الديني والرمزي عبر خيارات المؤمنين أنفسهم، من خلال آلية مالية–دينية تُعرف بـ"الخُمس"، والتي تمثل أحد أهم مصادر تمويل المرجعيات الدينية.

وبحسب التحليل، يقدم المؤمنون "الخُمس" كتبرع ديني إلى مرجع ديني حي يُنظر إليه باعتباره الأعلم في الفقه والشريعة، وهو ما يمنح هذا المرجع نفوذًا متزايدًا كلما ارتفع حجم الأموال المتدفقة إليه، نظرًا لقدرته على توسيع شبكاته من المؤسسات الدينية والتعليمية والخيرية، بما يعزز حضوره داخل المجتمع.

ويضيف التحليل أن هذه الآلية لا تعمل فقط كالتزام ديني فردي، بل تشكل نظامًا مستمرًا لإنتاج الشرعية الدينية، حيث يُعاد تشكيل مراكز النفوذ داخل الحوزات العلمية في قم والنجف، في إطار شبكة مرجعية غير مركزية تتجاوز حدود الدولة، وتعمل بالتوازي معها.

ويؤكد أن نظام المرجعية في التشيع يمثل شكلًا من السيادة الدينية اللامركزية التي سبقت قيام الجمهورية الإسلامية، وظلت تحتفظ بهامش من الاستقلال النسبي عن مؤسسات الدولة، رغم محاولات الأخيرة تنظيم المجال الديني وإعادة ضبطه عبر أدوات سياسية ومؤسسية.

ولفت البحث محمد طه علي إلى أن الدولة سعت بعد وفاة مؤسس النظام عام 1989 إلى توجيه مسار المرجعية الدينية نحو المرشد علي خامنئي، إلا أن هذا التوجه لم ينجح بشكل كامل في إنهاء التعدد داخل الحوزات، إذ استمرت مرجعيات دينية أخرى في الحفاظ على حضورها وتأثيرها، سواء داخل إيران أو في النجف.

كما يشير إلى أن بعض التوجهات داخل المجتمع الشيعي لا تزال توجّه تبرعات الخُمس إلى مراجع خارج الإطار الرسمي للدولة، ما يعكس استمرار وجود مسارات دينية موازية يصعب ضبطها بالكامل، رغم أدوات التنظيم والرقابة التي تعتمدها الدولة.

وبحسب التحليل، فإن النظام الإيراني يستخدم مزيجًا من الأدوات المؤسسية والإدارية والدينية لضبط المجال الديني، إلا أن هذه السيطرة تبقى جزئية، لأن جزءًا من إنتاج الشرعية الدينية يعتمد على قناعة فردية وخيارات طوعية تتكرر بشكل يومي عبر الممارسات المالية الدينية.

ويخلص التحليل إلى أن كل دفعة من "الخُمس" يمكن النظر إليها باعتبارها تعبيرًا غير مباشر عن تفضيلات دينية تجاه المرجعيات، وأن تراكم هذه القرارات الفردية عبر ملايين المؤمنين يسهم في إعادة تشكيل خرائط النفوذ الديني داخل المجتمع الشيعي الأوسع.

ويؤكد الباحث محمد طه علي أن هذه الديناميكية تكشف عن مفارقة في بنية السلطة الإيرانية، حيث تمتلك الدولة القدرة على إدارة الحكم السياسي، لكنها لا تملك احتكارًا كاملًا لإنتاج الشرعية الدينية، ما يجعل السلطة في إيران نتاج تفاعل مستمر بين الدولة ومراكز النفوذ الديني والاجتماعي خارجها.