استفحال أزمة الغاز.. فشل الإدارة وانتصار شبكات التهريب والفساد

السياسية - منذ ساعة و 8 دقائق
تعز، نيوزيمن، خاص:

تتجدد أزمة الغاز المنزلي في مدينة تعز والمحافظات اليمنية المحررة بصورة تكشف أن المشكلة لم تعد مجرد اختلال تمويني عابر أو نقص مؤقت في الإمدادات، بل تحولت إلى نموذج صارخ لفشل الإدارة الحكومية، وتداخل شبكات النفوذ والفساد والتهريب، في واحدة من أكثر الأزمات الخدمية استنزافاً للمواطنين منذ سنوات الحرب.

فعلى الرغم من تكرار الوعود الرسمية والمعالجات المؤقتة، لا تزال طوابير المواطنين تمتد يومياً أمام محطات التعبئة ووكلاء الغاز، بينما يقضي سائقو الحافلات والسيارات العاملة بالغاز ساعات طويلة في الانتظار بدلاً من العمل، في مدينة تعتمد بصورة شبه كلية على الغاز المنزلي سواء للاستخدامات المنزلية أو قطاع النقل.

الأزمة التي تتكرر بوتيرة شبه شهرية لم تعد تُفسَّر فقط بعوامل الطلب المرتفع أو الكثافة السكانية في تعز، بل باتت ترتبط – وفق اتهامات رسمية وعسكرية – بعمليات تهريب منظمة وتلاعب واسع بمخصصات المحافظات المحررة، وسط حديث متزايد عن شبكات نافذة تستفيد من تحويل الغاز إلى سلعة للسوق السوداء والتهريب العابر للمناطق والحدود.

وفي أحدث التصريحات، اتهمت غرفة عمليات توزيع الغاز شبكات تهريب بالوقوف وراء خلق فجوة تموينية متعمدة عبر تهريب كميات كبيرة من الغاز المخصص للمحافظات المحررة إلى مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، إضافة إلى تهريب جزء آخر عبر السواحل نحو دول القرن الأفريقي.

ونقل موقع "سبتمبر نت" التابع لوزارة الدفاع عن مصدر مسؤول قوله إن الأزمة الحالية لا ترتبط بنقص الإنتاج في منشأة صافر بمحافظة مأرب، بل بـ"التلاعب الممنهج" بمخصصات المحافظات، مؤكداً أن نحو 70 بالمئة من كميات الغاز المخصصة لمحافظات عدن ولحج وتعز يتم التلاعب بها وتهريبها عبر شبكات منظمة تحظى بغطاء من نافذين.

وقال الناشط محمد البكالي إن الأزمة الحالية تعكس تصاعد نشاط شبكات التهريب التي باتت تستحوذ على كميات كبيرة من الغاز المخصص للمحافظات المحررة، وعلى رأسها تعز، وإعادة توجيهها إلى مناطق سيطرة مليشيا الحوثي قبل وصولها إلى وجهاتها المحددة.

وأوضح البكالي أن مليشيا الحوثي كانت تعتمد خلال الفترة الماضية على استيراد الغاز من إيران، غير أن التطورات المرتبطة بالحرب على إيران، وخصوصاً استهداف ميناء بندر عباس الإيراني، أدت – بحسب تعبيره – إلى تنشيط شبكات التهريب التي اتجهت للاستحواذ على غاز المحافظات المحررة وبيعه داخل مناطق الحوثيين بأسعار مضاعفة وبالعملة القديمة.

وأشار إلى أن من حق المواطنين والوكلاء في مناطق سيطرة الحوثيين الحصول على احتياجاتهم من الغاز باعتبار الدولة مسؤولة عن توفير الخدمات لجميع المواطنين، لكنه شدد على ضرورة أن يتم ذلك “بصورة نظامية عبر مأرب”، وليس عبر التهريب الذي يتم على حساب حصص المحافظات الأخرى ويؤدي إلى تفاقم الأزمات التموينية في المدن المحررة.

وتتقاطع تصريحات البكالي مع ما أورده موقع سبتمبر نت نقلاً عن مصدر مسؤول، أكد أن الأزمة الحالية لا ترتبط بنقص الإنتاج في منشأة صافر بمحافظة مأرب، بل بما وصفه بـ”التلاعب الممنهج” بمخصصات المحافظات وعمليات التهريب المنظمة التي تستنزف كميات كبيرة من الغاز قبل وصولها إلى المستفيدين.

ويكشف هذا الاتهام، بحسب مراقبين، عن تحول ملف الغاز من أزمة خدمية إلى ملف فساد واقتصاد حرب، تتداخل فيه المصالح التجارية مع شبكات التهريب والجماعات المسلحة، في ظل غياب رقابة حكومية فاعلة أو محاسبة حقيقية للمتورطين.

وتشير المعلومات المتداولة إلى أن عمليات التهريب تتم عبر مسارات برية وبحرية، أبرزها خط الجوف – صنعاء، إضافة إلى منافذ بحرية على ساحل البحر الأحمر، حيث يتم نقل كميات من الغاز إلى مناطق الحوثيين أو إعادة تصديرها نحو القرن الأفريقي بأسعار مضاعفة.

ويرى متابعون أن اتساع عمليات التهريب يعكس حجم الأرباح التي تدرها السوق السوداء، خصوصاً في ظل الفوارق السعرية بين المحافظات المحررة ومناطق سيطرة الحوثيين، إضافة إلى تأثيرات الاضطرابات الإقليمية وأزمة الطاقة التي رفعت الطلب على الغاز وفتحت المجال أمام شبكات منظمة للاستفادة من الفوضى.

وتعززت هذه الاتهامات مع تصريحات وبيانات لناشطين ومراقبين محليين، بينهم الناشط عارف العبسي الذي أشار إلى أن محافظة تعز خُصص لها خلال شهر مارس وحده أكثر من 300 مقطورة غاز، متسائلاً عن الكميات التي وصلت فعلياً إلى المدينة.

وقال العبسي إن بإمكان فرع شركة الغاز في تعز توثيق حركة المقطورات بسهولة عبر نقاط الاستلام في هيجة العبد ومفرق الكدحة، لكنه لمح إلى وجود تواطؤ أو فساد داخل بعض الجهات المعنية، مضيفاً أن "كل طرف يحصل على نسبته من الفساد ويصمت".

ويعكس هذا الحديث حجم فقدان الثقة بالجهات المشرفة على ملف الغاز، خصوصاً مع استمرار الأزمة رغم الإعلان المتكرر عن تخصيص حصص يومية كبيرة للمحافظة. فبحسب غرفة العمليات المشتركة للغاز، تتراوح الحصة اليومية المقررة لتعز بين 10 و11 مقطورة يومياً، فيما تحتاج مديرياتها المحررة فعلياً إلى ما بين 12 و13 مقطورة لتغطية احتياجات السكان ومحطات كبار المستهلكين، إلا أن الوكلاء يؤكدون أن الكميات الواصلة أقل بكثير، وأن العجز التمويني يتجاوز 60 بالمئة.

هذا العجز دفع وكلاء الغاز في تعز إلى تنظيم احتجاجات ومسيرات بمقطورات الغاز جابت شوارع المدينة وصولاً إلى مقر السلطة المحلية، احتجاجاً على ما وصفوه بعدم التزام شركة الغاز في صافر بتوريد الحصص المقررة. لكن في المقابل، تتهم بعض الجهات الحكومية والتجارية عدداً من الوكلاء وأصحاب المحطات بالمبالغة في تصوير الأزمة أو حتى افتعالها للحصول على حصص إضافية يمكن تسريبها إلى السوق السوداء أو تهريبها إلى مناطق الحوثيين.

ويعكس هذا التضارب في الروايات حجم الفوضى التي تحيط بإدارة ملف الغاز، حيث تتبادل الأطراف الاتهامات بينما يبقى المواطن هو الضحية الأساسية.

وفي مدينة مثل تعز، التي تعد الأعلى كثافة سكانية في اليمن، تتحول أزمة الغاز إلى عبء يومي يلامس تفاصيل الحياة الأساسية، إذ تضطر الأسر للانتظار أياماً من أجل الحصول على أسطوانة غاز، بينما ترتفع تكاليف النقل وأسعار السلع نتيجة تعطل المركبات العاملة بالغاز وارتفاع تكاليف التشغيل.

كما يرى مراقبون أن الأزمة تكشف عن هشاشة منظومة الرقابة الحكومية وعجز السلطات المحلية والأجهزة الأمنية عن ضبط حركة المقطورات ومنع تسربها، رغم معرفة خطوط التهريب ومساراتها.

ويستدل كثيرون بمحافظة مأرب كمثال على ذلك، إذ تشير البيانات إلى أن المحافظة التي يتجاوز عدد سكانها ثلاثة ملايين نسمة تحافظ على استقرار نسبي في توفر الغاز رغم أن حصتها اليومية لا تتجاوز خمس مقطورات، بسبب تشديد الرقابة ومنع التلاعب بالمخصصات.

ويؤكد هذا الفارق – وفق متابعين – أن جوهر الأزمة لا يتعلق بحجم الإنتاج أو الكميات المتاحة، بل بضعف الإدارة والرقابة وتغلغل شبكات التهريب والفساد. كما تتزايد المخاوف من أن استمرار تهريب الغاز إلى مناطق الحوثيين يسهم بصورة غير مباشرة في تمويل اقتصاد الحرب، خصوصاً مع الحديث عن استخدام عائدات السوق السوداء في دعم أنشطة الجماعة، في وقت تعاني فيه المحافظات المحررة نفسها من اختناقات خانقة ونقص حاد في الخدمات الأساسية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار هذا الوضع يهدد بتوسيع الاقتصاد غير الرسمي وتقويض ما تبقى من الثقة بالمؤسسات الحكومية، في ظل غياب الشفافية بشأن الكميات المنتجة والموردة وآليات التوزيع الفعلية.

وفي مواجهة هذه الأزمة، تتصاعد الدعوات لتشكيل لجنة عليا مستقلة للتحقيق في شبكات تهريب الغاز ومحاسبة المتورطين، سواء من المهربين أو النافذين الذين يوفرون الحماية والتغطية لهذه العمليات. كما يطالب ناشطون وخبراء بتطبيق نظام تتبع إلكتروني (GPS) لمقطورات الغاز منذ خروجها من منشأة صافر وحتى وصولها إلى المحافظات المستفيدة، مع فرض رقابة أمنية صارمة وإغلاق المحطات المتورطة في بيع الغاز خارج الأطر الرسمية.

ويرى النشطاء أن أي معالجات جزئية أو مؤقتة لن تكون كافية ما لم تُفكك شبكات المصالح المرتبطة بملف الغاز، لأن الأزمة – بحسب وصفهم – لم تعد مجرد اختناق تمويني، بل تحولت إلى "اقتصاد تهريب" متكامل يستفيد من الفوضى والحرب وضعف مؤسسات الدولة، بينما يدفع المواطن وحده ثمن العجز والفساد والانهيار الإداري المستمر.