اقتحام الأعراس وملاحقة الفنانين.. "الهوية الإيمانية" شماعة حوثية لوأد فرحة اليمنيين

الحوثي تحت المجهر - منذ ساعة و 22 دقيقة
صنعاء، نيوزيمن، خاص:

تواصل ميليشيا الحوثي فرض مزيد من القيود على الحياة العامة في المناطق الخاضعة لسيطرتها، في إطار سياسة متصاعدة تستهدف إخضاع المجتمع لسلطتها الفكرية والثقافية تحت شعارات متعددة أبرزها ما تسميه الجماعة بـ"الهوية الإيمانية". 

وبينما تتزايد الأزمات المعيشية والاقتصادية التي تثقل كاهل المواطنين، تتجه الجماعة إلى توسيع حملات الرقابة والملاحقة ضد الفنانين والأنشطة الاجتماعية، وصولاً إلى اقتحام حفلات الزفاف وملاحقة المغنين والمغنيات داخل المناسبات الخاصة.

ويرى مراقبون أن هذه الممارسات لم تعد مجرد إجراءات أمنية أو دينية كما تحاول الجماعة تبريرها، بل تحولت إلى سياسة منظمة تهدف إلى إعادة تشكيل المجتمع وفق رؤية أيديولوجية خاصة، تقوم على فرض الوصاية على السلوك الاجتماعي والثقافي، وإقصاء كل ما لا ينسجم مع التوجهات الفكرية للجماعة.

وجاءت حادثة اقتحام حفل زفاف نسائي في مديرية ريدة بمحافظة عمران، مساء السبت، لتسلط الضوء مجدداً على حجم التضييق الذي يواجهه المواطنون في مناطق سيطرة الحوثيين. فبحسب مصادر محلية، داهمت قوة حوثية يقودها القيادي المعين نائباً لمدير أمن المديرية منزل المواطن عبدالله بن حسين الفتر أثناء إحياء حفل زفاف ابنته، بحجة وجود فنانة تشارك في إحياء المناسبة.

وأفادت المصادر بأن المسلحين الحوثيين أطلقوا أعيرة نارية في محيط المنزل خلال عملية الاقتحام، ما تسبب بحالة من الرعب والهلع بين النساء والأطفال. كما اقتحموا خيمة النساء وأجبروا الفنانة على مغادرة المكان بالقوة قبل إيقاف الحفل بشكل كامل، في مشهد أثار موجة استياء واسعة في الأوساط الاجتماعية والحقوقية.

ولم تتوقف الانتهاكات عند هذا الحد، إذ أكدت المصادر تعرض والد العروس وعدد من بناته للاعتداء الجسدي قبل أن يتم اعتقاله واقتياده إلى إدارة الأمن التابعة للجماعة دون أي مسوغ قانوني واضح.

حرب ممنهجة على الفرح

الحادثة لم تكن الأولى من نوعها، بل تأتي ضمن سلسلة متصاعدة من الانتهاكات التي تستهدف الفنانين والمناسبات الاجتماعية. ففي محافظة عمران أيضاً، تعرض الفنان الشعبي يحيى صعصعة لاعتداء ونهب مقتنياته عقب مشاركته في إحياء حفل زفاف بمنطقة الأشمور.

وقبل ذلك بأيام، اقتحمت عناصر حوثية حفل زفاف في مديرية كعيدنة بمحافظة حجة واختطفت ثلاثة من وجهاء المنطقة بعد اعتراضهم على قرار منع الغناء وإيقاف الحفل. وبررت الجماعة تدخلها حينها بما وصفته بمنع "الغناء والمعازف"، قبل أن تقوم باقتياد المختطفين بطريقة مهينة.

ويقول ناشطون إن هذه الحوادث تعكس تحول الأعراس والمناسبات الاجتماعية إلى ساحات للملاحقة الأمنية والرقابة الفكرية، بعدما كانت تمثل إحدى أبرز المساحات الشعبية للتعبير عن الفرح والحفاظ على الموروث الثقافي اليمني.

وخلال السنوات الماضية، كثفت الجماعة من إجراءاتها ضد الفنانين والمنشدين، وفرضت قيوداً على إحياء الأعراس والفعاليات الفنية، بالتوازي مع دعمها لفرق "الزوامل" المرتبطة بها وإقحامها في المناسبات الاجتماعية المختلفة.

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة هندسة المشهد الثقافي في مناطق سيطرة الحوثيين، عبر استبدال الفنون الشعبية والموروث الغنائي اليمني بخطاب تعبوي يخدم أهداف الجماعة السياسية والعسكرية.

وتتزامن هذه الإجراءات مع تصاعد خطاب التحريض ضد الفنانين والإعلاميين وصناع المحتوى، بعد تداول مقطع مصور للقيادي الحوثي علي العماد دعا فيه إلى فرض قيود وإجراءات رقابية بحق الفنانين والممثلين والمؤثرين الذين يشاركون في أعمال فنية أو إعلامية خارج مناطق سيطرة الجماعة.

وطالب العماد الجهات التابعة للحوثيين باتخاذ إجراءات محاسبة ضد المشاركين في أعمال يرى أنها لا تنسجم مع ما تسميه الجماعة "الهوية الإيمانية"، كما دعا إلى فرض ضوابط على نشاط المؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي ومنع المحتوى الذي تعتبره الجماعة مخالفاً لتوجهاتها.

الهوية الإيمانية.. أداة للوصاية المجتمعية

ويعتبر حقوقيون أن الخطاب الحوثي تجاه الفن والثقافة يكشف عن توجه متصاعد لفرض الوصاية الفكرية على المجتمع. وفي هذا السياق، قال الناشط الحقوقي رياض الدبعي إن ملاحقة الفنانين والتحريض ضدهم يعكسان نظرة الجماعة للفن باعتباره نشاطاً يجب أن يخضع لأيديولوجيتها الخاصة.

وأوضح الدبعي أن الحوثيين يتعاملون مع الفن من منظور عقائدي ضيق، بحيث يصبح كل عمل فني لا ينسجم مع ما يسمونه "الهوية الإيمانية" هدفاً للملاحقة والتضييق.

وأضاف أن التحريض العلني ضد الفنانين يضعهم في دائرة الاستهداف بسبب عملهم الفني، ويشكل محاولة لفرض الوصاية على الإبداع والثقافة، مشيراً إلى أن هذه السياسات لا تستهدف الفنانين وحدهم، بل تمس المجتمع بأكمله عبر تقييد الحريات العامة وتضييق المساحات الثقافية والاجتماعية المتاحة للمواطنين.

ويرى متابعون أن استمرار اقتحام الأعراس وملاحقة الفنانين وإخضاع الأنشطة الاجتماعية للرقابة يعكس اتجاهاً متزايداً نحو عسكرة الحياة المدنية وتحويل الأجهزة الأمنية إلى أدوات لفرض رؤية أيديولوجية محددة على المجتمع.

ويؤكد هؤلاء أن أخطر ما في هذه الممارسات لا يكمن فقط في انتهاك الحريات الشخصية والثقافية، بل في محاولات إعادة تشكيل الهوية الاجتماعية اليمنية وإخضاعها لمعايير الجماعة، بما يؤدي إلى تآكل التنوع الثقافي وتراجع الفضاءات المدنية التي حافظت لعقود على خصوصية المجتمع اليمني وتقاليده المتسامحة.

وفي ظل تصاعد هذه الإجراءات، يحذر حقوقيون من أن استمرار سياسة التضييق على الفن والثقافة والاحتفالات الاجتماعية سيعمق حالة الاحتقان داخل المجتمع، ويزيد من عزلة مناطق سيطرة الحوثيين ثقافياً واجتماعياً، في وقت يحتاج فيه اليمنيون إلى مساحات للفرح والتعبير والحياة الطبيعية أكثر من أي وقت مضى.