مدارس بلا طلاب ومعلمون بلا رواتب.. الحوثيون يخنقون التعليم
السياسية - منذ ساعة و 13 دقيقة
صنعاء، نيوزيمن، خاص:
دشنت ميليشيا الحوثي العام الدراسي الجديد في مناطق سيطرتها وسط احتفاء رسمي واسع وظهور لعدد من قياداتها أمام عدسات الكاميرات، غير أن مشاهد التدشين لم تنجح في إخفاء واقع تعليمي مأزوم تتراكم أزماته عاماً بعد آخر، في ظل عزوف متزايد للطلاب والمعلمين، وتوسع غير مسبوق في فرض الرسوم المالية على الأسر، واستمرار حرمان عشرات الآلاف من المعلمين من مرتباتهم للعام العاشر على التوالي.
وظهر عضو المجلس السياسي الأعلى للميليشيات عبدالعزيز صالح بن حبتور، والقائم بأعمال رئيس الوزراء غير المعترف بها دولياً محمد مفتاح، ووزير التربية حسن الصعدي، وهم يدشّنون العام الدراسي الجديد في فعالية رسمية حافلة بالشعارات والرسائل الدعائية، بينما تعيش المدارس الحكومية واحدة من أصعب مراحلها منذ اندلاع الحرب.
لكن خلف الصور الاحتفالية والخطابات الرسمية، يبدو المشهد مختلفاً تماماً داخل المدارس الحكومية التي استقبلت العام الدراسي الجديد وسط حضور طلابي محدود، وتراجع ملحوظ في أعداد الملتحقين، نتيجة الأوضاع الاقتصادية المتدهورة التي دفعت آلاف الأسر إلى العجز عن تحمل التكاليف الجديدة التي فرضتها المدارس تحت مسميات متعددة.
من المجاني إلى التعليم المدفوع
خلال السنوات الماضية، تحوّل التعليم الحكومي في مناطق سيطرة الحوثيين تدريجياً من خدمة عامة مجانية إلى قطاع مثقل بالرسوم والجبايات التي تُفرض على الطلاب وأولياء الأمور بصورة متزايدة، في محاولة لتعويض العجز المالي الذي تعانيه المؤسسات التعليمية نتيجة استمرار وقف رواتب المعلمين وغياب التمويل الحكومي الفعلي.
وبات ولي الأمر الراغب في تسجيل ثلاثة من أبنائه في مدرسة حكومية بحاجة إلى أكثر من خمسين ألف ريال كحد أدنى، تشمل رسوم التسجيل والمشاركة المجتمعية والكتب المدرسية، دون احتساب تكاليف الزي المدرسي والحقائب والدفاتر والمواصلات، وهي مبالغ تمثل عبئاً ثقيلاً على الأسر التي تعاني من انقطاع الرواتب وتدهور الأوضاع المعيشية.
ويؤكد أولياء أمور أن ما تصفه السلطات التعليمية في صنعاء بـ"المساهمات المجتمعية الطوعية" تحول عملياً إلى شرط إلزامي لإتمام التسجيل، حيث تتراوح تلك الرسوم بين أربعة آلاف وثمانية آلاف ريال للطالب الواحد، إضافة إلى رسوم تسجيل ومبالغ خاصة بالمناهج الدراسية ومساهمات عينية تشمل توفير رزم من الورق ومستلزمات أخرى.
ويقول مواطنون إن المدارس الحكومية لم تعد تختلف كثيراً عن المدارس الخاصة من حيث الرسوم المطلوبة، بل إن بعضها تحوّل إلى ما يشبه "نقاط جباية" تفرض رسوماً متجددة في كل مرحلة من مراحل التسجيل والدراسة.
خصخصة صامتة
وبالتوازي مع التوسع في الرسوم الإلزامية، تتجه السلطات الحوثية نحو تكريس نظام طبقي داخل المدارس الحكومية من خلال توسيع ما يعرف بنظام "النفقة الخاصة" والصفوف المدفوعة.
وكشف تربويون عن استحداث صفوف تمهيدية برسوم تتراوح بين 30 ألفاً و60 ألف ريال، إلى جانب فتح نظام النفقة الخاصة لطلاب الصفين التاسع والثالث الثانوي برسوم تصل إلى 200 ألف ريال سنوياً.
وبموجب هذا النظام يحصل الطلاب القادرون على الدفع على مزايا إضافية تشمل انتظام المعلمين واستكمال الحصص الدراسية وتوفير بيئة تعليمية أفضل، فيما يواجه طلاب النظام العام نقصاً حاداً في الكادر التعليمي، خصوصاً في المواد العلمية، ويكتفون في كثير من الأحيان بثلاث أو أربع حصص دراسية يومياً فقط.
ويرى مراقبون أن هذه السياسات تمثل انتقالاً تدريجياً من التعليم الحكومي المجاني إلى نموذج تعليمي قائم على القدرة المالية، بما يهدد مبدأ تكافؤ الفرص ويعمق الفجوة الاجتماعية بين الطلاب.
معلمون بلا رواتب.. وأزمة تتفاقم
وفي قلب الأزمة التعليمية يقف المعلم اليمني باعتباره أكثر المتضررين من السياسات القائمة، بعد سنوات طويلة من انقطاع المرتبات وتراجع الأوضاع المعيشية بصورة غير مسبوقة. ورغم الدعوات الرسمية لبدء العام الدراسي بصورة طبيعية، يؤكد تربويون أن الحديث عن نجاح العملية التعليمية يظل بعيداً عن الواقع ما دام المعلم محرومًا من راتبه وحقوقه الأساسية.
وفي هذا السياق، سخر الناشط التربوي عادل قاسم الجعدبي من مشاهد التدشين الرسمية التي ظهر فيها قادة الجماعة أمام الكاميرات، مؤكداً أن التدشين الحقيقي للعام الدراسي يبدأ من صرف مرتبات المعلمين والمعلمات والعاملين في القطاع التربوي، لا من الفعاليات الإعلامية والاحتفالات البروتوكولية.
وقال إن نجاح أي عام دراسي مرهون بتوفير المناهج الدراسية منذ اليوم الأول، وتأهيل المدارس وتجهيزها بالوسائل التعليمية والمقاعد، وإنهاء سياسة التجزئة والتمييز في صرف المستحقات المالية، مشدداً على أن التعليم هو أساس بناء الدولة والمجتمع، وأن احترام المعلم ليس منّة من أحد بل حق أصيل لا يمكن تجاوزه.
من جانبه، وجّه المعلم والتربوي عبدالله رعدان رسالة مؤثرة إلى زملائه المعلمين مع بداية العام الدراسي الجديد، دعاهم فيها إلى التفكير بعمق في واقعهم المعيشي قبل العودة إلى الفصول الدراسية. وقال إن المعلم لا يستطيع أن يزرع الأمل في نفوس طلابه بينما يعجز عن توفير احتياجات أسرته الأساسية، ولا أن يشرح دروس الحقوق والكرامة وهو محروم من أبسط حقوقه المتمثلة في الراتب.
وتساءل: كيف يمكن للمعلم أن يجيب عن أسئلة طلابه حول العدالة والدفاع عن الحقوق بينما لم يحصل هو نفسه على حقه المشروع منذ سنوات؟ وأكد أن الدفاع السلمي والمنظم عن حقوق المعلمين لا يتعارض مع رسالة التعليم، بل يمثل جزءاً من حماية تلك الرسالة ومنع انهيارها، معتبراً أن إنصاف المعلم يمثل المدخل الحقيقي لإنقاذ العملية التعليمية وإعادة الاعتبار للمؤسسة التربوية.
التعليم بوصفه أداة للجباية
وتتزايد الاتهامات الموجهة لسلطات الحوثيين بتحويل التعليم إلى مصدر للإيرادات المالية على حساب الطلاب وأولياء الأمور. وفي هذا الإطار، اتهم الناشط التربوي عبدالقوي الجعدبي وزارة التربية في حكومة صنعاء بالتخلي عن دورها التربوي والتحول إلى مؤسسة هدفها الأساسي جمع الأموال من المواطنين.
وجاءت انتقاداته عقب اعتماد آلية إعلان نتائج الشهادة الإعدادية عبر الهاتف الثابت، وهو ما يفرض رسوماً مالية على الطلاب مقابل معرفة نتائجهم الدراسية.
واعتبر الجعدبي أن الوزارة انتقلت من مهمة التحصيل العلمي إلى مهمة التحصيل المالي، مشيراً إلى أن الطلاب وأولياء الأمور يواجهون عراقيل متعمدة للحصول على الخدمات التعليمية، بينما تستمر الجهات المعنية في ابتكار وسائل جديدة لاستنزاف جيوب المواطنين.
وأكد أن هذه السياسات تعكس اتجاهاً متصاعداً لتحويل المؤسسات التعليمية إلى أدوات جباية مالية بدلاً من أن تكون مؤسسات لخدمة الطلاب وتطوير العملية التعليمية.
وفي سياق متصل، أثار قرار وزارة التربية بشأن تأهيل المدرسين المتطوعين من خريجي الثانوية العامة ومنحهم ما وصفته بـ"أولوية التوظيف" انتقادات واسعة في الأوساط التربوية.
الناشط التربوي بدر عزان اعتبر القرار محاولة لإنتاج جيل من العاملين بلا حقوق وظيفية أو مالية، مشيراً إلى أن السلطة التي أوقفت رواتب المعلمين منذ سنوات تحاول اليوم سد العجز المتزايد في المدارس عبر متطوعين لا يحصلون على أي ضمانات أو مستحقات.
وقال إن الحديث عن أولوية التوظيف لا يحمل أي قيمة حقيقية في ظل غياب الوظائف والرواتب، معتبراً أن ما يجري هو محاولة لإيجاد قوة عمل رخيصة تتحمل الواجبات كافة دون أن تتمتع بأبسط الحقوق القانونية.
وأضاف أن إسقاط الراتب يعني عملياً إسقاط الوظيفة ذاتها، وأن السياسات الحالية تهدد مستقبل التعليم من خلال استبدال المعلمين المؤهلين بكوادر تعمل في ظروف غير مستقرة وتفتقر إلى الحوافز المهنية.
استغلال أيديولوجي
ولا تقتصر الأزمة على الجوانب المالية والمعيشية فحسب، إذ يشير تربويون إلى توسع حضور الأنشطة ذات الطابع السياسي والطائفي داخل المدارس الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
فالتقويم المدرسي المعتمد يتضمن عشرات المناسبات المرتبطة بمشروع الجماعة الأيديولوجي والعسكري، من بينها فعاليات مرتبطة بشعارات الجماعة وقياداتها وأحداث إقليمية توظف ضمن برامج التعبئة الفكرية.
ويرى مراقبون أن المدرسة تحولت تدريجياً إلى فضاء مزدوج الوظيفة؛ تعليمياً في الشكل وتعبوياً في المضمون، وهو ما يثير مخاوف متزايدة بشأن تأثير هذه السياسات على هوية التعليم ومستقبل الأجيال.
وفي ظل تداخل هذه الأزمات، يبدو العام الدراسي الجديد في مناطق سيطرة الحوثيين امتداداً لأزمة تعليمية عميقة أكثر من كونه بداية فعلية لمسار تعليمي مستقر.
فالمعلم ما يزال بلا راتب، والطالب يواجه رسوماً متزايدة، والمدارس تعاني من نقص الإمكانيات والكوادر، فيما تتوسع مساحات التوظيف السياسي والأيديولوجي للعملية التعليمية.
وبين معلم يبحث عن حقه، وأسرة تعجز عن دفع الرسوم، وطالب يواجه مستقبلاً غامضاً، يقف التعليم في مناطق سيطرة الحوثيين أمام أخطر اختبار في تاريخه الحديث، وسط مخاوف متزايدة من أن يتحول من مؤسسة لصناعة المعرفة وبناء الإنسان إلى ساحة مفتوحة للجباية وإعادة تشكيل الوعي وفقاً لمقتضيات الحرب ومشاريعها الممتدة.
>
