اغتيال الصحفي محمد عيضة يعيد شبح الإرهاب إلى المكلا بعد عقد من الهدوء الأمني

السياسية - منذ ساعة و 28 دقيقة
المكلا، نيوزيمن، خاص:

 أعادت عملية اغتيال الصحفي محمد عيضة، مراسل قناتي "العربية" و"الحدث"، إلى واجهة المشهد الأمني في محافظة حضرموت تساؤلات واسعة بشأن عودة النشاط الإرهابي إلى مدينة المكلا، بعد سنوات من الاستقرار النسبي الذي أعقب تحرير ساحل حضرموت من تنظيم القاعدة عام 2016.

وقُتل عيضة مساء الأربعاء متأثراً بإصاباته البالغة إثر انفجار عبوة ناسفة شديدة الانفجار زُرعت في سيارته وفُجرت عن بُعد أثناء مروره في شارع الستين، أحد الشوارع الرئيسية بمدينة المكلا، في عملية حملت بصمات وأساليب الاغتيالات التي اشتهرت بها الجماعات الإرهابية خلال السنوات الماضية.

وتحولت الجريمة سريعاً إلى قضية رأي عام، وسط إدانات سياسية وإعلامية واسعة، ومطالبات محلية ودولية بتحقيق عاجل يكشف الجهة التي تقف وراء العملية، في وقت تتجه فيه أصابع الاتهام نحو الجماعات الإرهابية المرتبطة بميليشيات الحوثي وتنظيمي القاعدة وداعش.

بحسب مصادر صحفية وإعلامية، فإن الصحفي محمد عيضة كان قد تلقى خلال الأشهر الماضية تهديدات متكررة بسبب نشاطه الإعلامي، كما أبلغته الأجهزة الأمنية في حضرموت قبل نحو شهر بوجود معلومات عن تهديد يستهدف حياته.

وأكدت المصادر أن عيضة أوصل أفراد أسرته إلى منزلهم قبل وقت قصير من الحادثة، ثم عاد لاستقلال سيارته، قبل أن تنفجر عبوة ناسفة كانت مزروعة أسفل مقعد السائق، ما أدى إلى إصابته بجروح قاتلة فارق على إثرها الحياة.

ويعكس الأسلوب المستخدم في تنفيذ العملية درجة عالية من التخطيط والرصد المسبق لتحركات الضحية، وهو ما دفع مراقبين إلى اعتبار الجريمة أقرب إلى عمليات الاغتيال المنظمة التي ارتبطت خلال السنوات الماضية بتنظيم القاعدة والخلايا الإرهابية النشطة في بعض المحافظات اليمنية.

وفي تطور متصل، كشفت مصادر أمنية عن إلقاء القبض على شخصين يشتبه بصلتهما المباشرة بالعملية، فيما تواصل الأجهزة الأمنية ملاحقة مشتبه به ثالث، بالتزامن مع تحقيقات مكثفة لتحديد الجهة التي خططت ونفذت عملية الاغتيال.

وتأتي هذه التطورات في ظل توجيهات رئاسية وحكومية بتسخير كافة الإمكانات اللازمة لكشف ملابسات الجريمة والوصول إلى جميع المتورطين فيها، سواء المنفذين أو الجهات التي تقف خلفهم.

وأثار تنفيذ العملية داخل مدينة المكلا، التي ظلت لسنوات بعيدة نسبياً عن حوادث الاغتيالات والتفجيرات، مخاوف واسعة من عودة النشاط الإرهابي إلى ساحل حضرموت.

ويرى متابعون أن استخدام عبوة ناسفة مزروعة داخل مركبة صحفي بارز، وفي منطقة حضرية مكتظة، يمثل تطوراً خطيراً في طبيعة التهديدات الأمنية، ويعيد إلى الأذهان موجة الاغتيالات التي شهدتها حضرموت خلال العقدين الماضيين واستهدفت عشرات القيادات العسكرية والأمنية والشخصيات العامة.

وتتزامن هذه الحادثة مع تحذيرات متكررة من وجود محاولات لإعادة تنشيط الخلايا الإرهابية واستغلال التحديات الأمنية والعسكرية التي تشهدها بعض مناطق المحافظة.

وفي أول رد فعل سياسي بارز، أدان المجلس الانتقالي الجنوبي العملية الإرهابية التي استهدفت الصحفي محمد عيضة، معتبراً أن الجريمة تمثل مؤشراً خطيراً على عودة النشاط الإرهابي إلى مدينة المكلا وساحل حضرموت.

وقال المتحدث الرسمي باسم المجلس الانتقالي الجنوبي، أنور التميمي، إن استهداف صحفي بارز بعبوة ناسفة داخل المكلا يعكس تحولاً مقلقاً في المشهد الأمني بالمحافظة، بعد عقد كامل من طرد التنظيمات الإرهابية من مناطق الساحل الحضرمي.

وأشار التميمي إلى أن الحادثة أعادت إلى ذاكرة أبناء حضرموت سنوات الاغتيالات التي شهدتها المحافظة بين عامي 1994 و2016، والتي سقط خلالها أكثر من 300 من الكوادر العسكرية والأمنية في عمليات نسبت إلى تنظيم القاعدة والجماعات المتطرفة.

واعتبر أن عودة مثل هذه العمليات تمثل دليلاً على تنامي خطر التنظيمات الإرهابية بمختلف مسمياتها، سواء المرتبطة بالحوثيين أو بتنظيمي القاعدة وداعش، محذراً من خطورة تمكين عناصر محسوبة على تلك الجماعات من مواقع مؤثرة داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية، وما قد يترتب على ذلك من اختراقات تهدد أمن واستقرار حضرموت والجنوب عموماً.

من جهتهما، اعتبر حلف قبائل حضرموت ومؤتمر حضرموت الجامع أن اغتيال محمد عيضة يمثل جرس إنذار يستوجب مراجعة شاملة للمنظومة الأمنية والعسكرية في المحافظة. وأكد المكونان في بيان مشترك أن استهداف صحفي أثناء أدائه لعمله المهني لا يمثل اعتداءً على فرد بعينه فحسب، بل يشكل تهديداً مباشراً لحرية الإعلام وأمن المجتمع واستقرار المحافظة.

ودعا البيان إلى إعادة تقييم الأداء الأمني والاستخباراتي، ورفع مستوى الجاهزية لمواجهة الاختراقات الأمنية، وتطوير قدرات الكوادر المختصة، مع تمكين الكفاءات الحضرمية من لعب دور أكبر في إدارة الملف الأمني. كما شدد على ضرورة معالجة أوجه القصور القائمة واتخاذ إجراءات صارمة بحق أي عناصر يثبت تورطها أو ارتباطها بجهات تسعى لزعزعة أمن حضرموت.

وعلى المستوى الرسمي، وجه رئيس مجلس القيادة الرئاسي،رشاد العليمي، بتشكيل لجنة عليا مشتركة تضم ممثلين عن وزارة الداخلية وجهاز أمن الدولة والاستخبارات العسكرية، بالتنسيق مع اللجنة المحلية المشكلة في حضرموت، للتحقيق في ملابسات الحادثة.

وأكد العليمي أن الدولة لن تدخر جهداً في ملاحقة مرتكبي هذه الجريمة الإرهابية ومن يقف وراءها، مشيداً بالدور المهني الذي اضطلع به الصحفي محمد عيضة في نقل الأحداث من اليمن.

كما أصدر رئيس الوزراء الدكتور شائع الزنداني ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي توجيهات عاجلة للأجهزة الأمنية بسرعة استكمال التحقيقات وتسخير كافة الإمكانات اللازمة لكشف الجناة وإحالتهم إلى القضاء.

وأثارت الجريمة موجة إدانات واسعة من المؤسسات الصحفية والإعلامية اليمنية والعربية.

ووصفـت نقابة الصحفيين اليمنيين عملية الاغتيال بأنها "جريمة إرهابية غادرة" تستهدف حرية الصحافة والعمل الإعلامي، مشيرة إلى أن عيضة كان قد تلقى تهديدات قبل أسابيع من مقتله. وحذرت النقابة من استمرار المخاطر التي يتعرض لها الصحفيون في اليمن، داعية إلى إجراء تحقيق مستقل وشفاف ومحاسبة جميع المتورطين.

كما أدان اتحاد صحافيي غرب آسيا الجريمة بشدة، معتبراً أنها تمثل اعتداءً صارخاً على حرية الصحافة وحق المجتمع في الوصول إلى الحقيقة، محذراً من أن استمرار سياسة الإفلات من العقاب يشجع على تكرار الجرائم ضد الإعلاميين ويهدد بيئة العمل الصحفي في المنطقة بأكملها.

ويرى مراقبون أن اغتيال محمد عيضة لا يمكن قراءته بوصفه حادثة جنائية معزولة، بل باعتباره مؤشراً على تحديات أمنية متصاعدة في حضرموت، ورسالة تحمل أبعاداً تتجاوز استهداف صحفي معروف إلى محاولة إحياء أساليب الاغتيالات والتفجيرات التي ارتبطت تاريخياً بالجماعات الإرهابية.