الإيجارات تلتهم الرواتب.. هل أصبح السكن في عدن حلماً بعيد المنال؟
الجنوب - منذ ساعة و 3 دقائق
عدن، نيوزيمن، استطلاع خاص:
لم يعد السؤال الذي يشغل آلاف الأسر في العاصمة عدن متعلقاً بتحسين مستوى المعيشة أو الادخار للمستقبل، بل أصبح أكثر بساطة وإلحاحاً: كيف يمكن توفير إيجار المنزل نهاية كل شهر؟
في مدينة تتسارع فيها وتيرة ارتفاع الأسعار وتتراجع فيها القدرة الشرائية للمواطنين، تحولت أزمة السكن إلى واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً. وبينما تظل الرواتب ثابتة، تواصل الإيجارات صعودها لتضع الموظفين والعمال والشباب والأسر النازحة في مدينة عدن أمام تحديات معيشية متزايدة.
وخلال جولة ميدانية واستطلاع لآراء عدد من المواطنين في مديريات مختلفة من العاصمة عدن، برزت صورة متشابهة لمعاناة تتكرر في معظم المنازل، وإن اختلفت تفاصيلها.
راتب ينتهي عند باب المنزل
في أحد أحياء مديرية المنصورة، يجلس "أبو أيمن"، وهو موظف حكومي وأب لأربعة أطفال، متحدثاً عن معاناة أصبحت جزءاً من حياته اليومية.
يقول: "أصبحت أستلم الراتب وأنا أعرف مسبقاً أين سيذهب. الجزء الأكبر يذهب للإيجار، وما يتبقى بالكاد يكفي لمصاريف الطعام والمواصلات".
ويضيف بنبرة يختلط فيها القلق بالإرهاق: "لم نعد نفكر في تحسين أوضاعنا أو شراء احتياجات إضافية، كل ما نريده هو أن نمر بالشهر دون ديون جديدة".
ويؤكد أن صاحب المنزل رفع الإيجار أكثر من مرة خلال السنوات الأخيرة، في حين لم يشهد دخله أي تحسن يواكب هذه الزيادات.
التنقل بحثاً عن إيجار أقل
في مديرية الشيخ عثمان، تروي "أم خالد" قصة مختلفة تحمل المعاناة ذاتها. حيث تقول إنها انتقلت مع أسرتها ثلاث مرات خلال أقل من أربع سنوات بسبب ارتفاع الإيجارات.
وتوضح قائلة: "في كل مرة نغادر منزلاً نعتقد أننا وجدنا حلاً مؤقتاً، لكن الأسعار تواصل الارتفاع".. مشيرة إلى أن "الاستقرار السكني صار رفاهية لا نملكها".
الشباب.. الزواج مؤجل حتى إشعار آخر
في أحد المقاهي الشعبية بمدينة كريتر، يتحدث "ماجد"، وهو شاب في أواخر العشرينيات، عن عقبة السكن التي أصبحت تقف بينه وبين حلم تكوين أسرة.
يقول: "تكاليف الزواج مرتفعة، لكن المشكلة الأكبر تبدأ بعد الزواج. إيجار منزل صغير أصبح يحتاج إلى دخل لا يتوفر لمعظم الشباب".
ويضيف: "الكثير من أصدقائي أجّلوا الزواج، ليس لأنهم لا يريدون الاستقرار، بل لأنهم لا يستطيعون تحمل تكاليف السكن".
ويرى "ماجد" أن أزمة الإيجارات أصبحت "عاملاً مؤثراً في حياة جيل كامل يبحث عن بداية مستقرة".
النازحون.. معاناة مضاعفة
أما "أبو أمجد"، وهو نازح يقيم في عدن منذ عدة سنوات، فيؤكد أن الأسر النازحة تواجه تحديات أكثر تعقيداً. ويقول: "المواطن الذي يملك منزلاً في محافظته قد يعود إليه يوماً ما، أما النازح فلا يملك سوى الإيجار".
ويضيف: "أي زيادة في قيمة الإيجار قد تعني الانتقال إلى منطقة أبعد أو منزل أقل جودة، وفي بعض الأحيان السكن مع أكثر من أسرة في منزل واحد".
ملاك العقارات: لسنا المسؤولين وحدنا
وفي المقابل، يرى بعض ملاك العقارات أن تحميلهم مسؤولية الأزمة بشكل كامل لا يعكس الصورة الحقيقية.
يقول "أبو سامر"، وهو مالك عدد من الشقق السكنية: "ارتفاع قيمة إيجارات المنازل ليس جشعاً منا أو استغلالاً لأزمة المساكن في عدن، بل هو انعكاس طبيعي لارتفاع أسعار كل تكاليف ومتطلبات المعيشة".
ويضيف: "المشكلة الأساسية ليست بين المالك والمستأجر، بل في التدهور الاقتصادي العام الذي يطال الجميع".
أزمة اقتصادية بوجه اجتماعي
يرى مراقبون أن أزمة الإيجارات في العاصمة عدن لم تعد قضية عقارية فحسب، بل تحولت إلى أزمة اجتماعية تمس استقرار الأسر ومستقبل الشباب وتماسك الطبقة الوسطى.
فارتفاع الإيجارات يدفع بعض الأسر إلى تقليص نفقاتها على التعليم والصحة، فيما يضطر آخرون إلى الاستدانة أو البحث عن أعمال إضافية لتغطية التزاماتهم الشهرية.
كما أن غياب المشاريع السكنية الميسرة وضعف الرقابة على السوق العقارية، جعلا المستأجرين في مواجهة مباشرة مع تقلبات السوق دون أي مظلة حماية حقيقية.
مدينة تتسع فيها الفجوة
من المنصورة إلى الشيخ عثمان، ومن صيرة إلى دار سعد والبريقة، ومن خور مكسر إلى المعلا والتواهي، تتكرر الحكايات نفسها بأسماء مختلفة. موظفون يستنزف الإيجار دخولهم، وأسر تبحث عن مسكن أقل تكلفة، وشباب يؤجلون أحلامهم، ونازحون يعيشون حالة من عدم اليقين.
وفي ظل استمرار التدهور الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة، يبدو أن أزمة السكن في عدن تجاوزت حدود العقارات والجدران، لتصبح واحدة من أبرز التحديات الاجتماعية التي تواجه المدينة.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل ستظل الإيجارات تلتهم ما تبقى من دخل المواطنين، أم أن حلولاً حقيقية يمكن أن تعيد للسكن صفته كحق أساسي، لا كحلم يصعب الوصول إليه؟
>
