الفساد في مؤسسات الدولة يعرقل تعافي المناطق المحررة رغم وفرة الموارد

الجنوب - منذ ساعتان و 21 دقيقة
عدن، نيوزيمن، خاص:

رغم مرور سنوات على استعادة الحكومة اليمنية الشرعية السيطرة على عدد من المحافظات الرئيسية، لا تزال المناطق الواقعة تحت سلطتها، خاصة العاصمة عدن، تعاني أزمات اقتصادية وخدمية ومعيشية متفاقمة، في وقت كان يُفترض أن تتحول هذه المناطق إلى نموذج للاستقرار وإعادة البناء مقارنة بالمناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي.

وبينما تتواصل الدعوات الدولية والإقليمية لدعم مسار التعافي في اليمن، يبرز سؤال أكثر إلحاحاً: هل تكمن المشكلة في نقص الموارد، أم في الطريقة التي تُدار بها موارد الدولة؟ ومن يعرقل فعلياً فرص النهوض في المناطق المحررة؟

يرى مراقبون وخبراء اقتصاديون أن الحرب لا تمثل العامل الوحيد وراء تعثر التعافي، رغم تأثيراتها الكبيرة، مشيرين إلى أن الفساد المستشري داخل مؤسسات الدولة، وضعف منظومة الرقابة والمساءلة، وتحول بعض مفاصل الإدارة إلى مراكز نفوذ ومصالح خاصة، أصبحت من أبرز العوائق التي تستنزف إمكانات البلاد وتعرقل أي فرصة حقيقية للإصلاح.

موارد متاحة.. ونتائج محدودة

تمتلك المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة الشرعية مقومات اقتصادية مهمة، من موانئ ومنافذ بحرية وبرية، وموارد نفطية وغازية، وثروات زراعية وسمكية ومعدنية، إضافة إلى دعم خارجي واسع خلال السنوات الماضية. إلا أن المواطن لم يشعر بانعكاس هذه الإمكانات على حياته اليومية، إذ ما تزال أزمات الكهرباء والمياه والخدمات الصحية والتعليمية حاضرة بقوة، بالتزامن مع ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية للعملة المحلية.

ويرى اقتصاديون أن استمرار الفجوة بين حجم الموارد المتاحة ومستوى الخدمات المقدمة يكشف عن خلل عميق في إدارة الدولة، مؤكدين أن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بغياب التمويل، وإنما بكفاءة استخدامه، وغياب الحوكمة، وضعف المؤسسات القادرة على حماية المال العام.

الفساد.. نزيف مستمر داخل مؤسسات الدولة

يضع مراقبون الفساد في مقدمة الأسباب التي تعيق مسار التعافي، باعتباره عاملاً يستنزف الإيرادات ويضعف ثقة المواطنين والشركاء الدوليين بمؤسسات الدولة. 

ففي الوقت الذي تحتاج فيه الحكومة إلى تعبئة كل مواردها لمواجهة تداعيات الحرب والانهيار الاقتصادي، تواجه مؤسسات الدولة اتهامات بوجود اختلالات في إدارة الموارد العامة، وضعف في إجراءات الرقابة، وتداخل المصالح بين المسؤولية العامة والنفوذ السياسي والاقتصادي.

وتتمثل مظاهر الفساد، وفق مراقبين، في عدة مستويات، أبرزها ضعف تحصيل الإيرادات، وعدم انتظام توريد بعض الموارد إلى الخزينة العامة، وانتشار المحسوبية في بعض التعيينات، وتضخم الجهاز الإداري، إضافة إلى ضعف الرقابة على بعض المنافذ والمؤسسات الإيرادية.

ويؤكد مختصون أن استمرار هذه الاختلالات يجعل أي دعم مالي أو اقتصادي عرضة للتآكل، لأن المشكلة لا تكمن فقط في حجم الموارد، بل في قدرة المؤسسات على إدارتها بشفافية وكفاءة.

المال العام.. بين ضعف الرقابة وتعدد مراكز النفوذ

من أبرز مظاهر الأزمة في المناطق المحررة تعدد مراكز التأثير داخل مؤسسات الدولة، حيث تتداخل أحياناً الصلاحيات السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية، الأمر الذي ينعكس على قدرة الحكومة على تنفيذ سياساتها بشكل موحد.

ويرى مراقبون أن ضعف مركزية القرار الإداري والاقتصادي يفتح المجال أمام تضارب المصالح، ويجعل بعض الملفات الحيوية عرضة للتجاذبات، خصوصاً تلك المرتبطة بالإيرادات والموارد والمشاريع الاستثمارية.

كما أن غياب منظومة رقابة قوية وفعالة يساهم في استمرار بيئة تسمح بتمرير القرارات، بعيداً عن معايير الكفاءة والمصلحة العامة.

ويؤكد خبراء أن بناء دولة قادرة على التعافي يتطلب قبل كل شيء إصلاح مؤسساتها، بحيث تكون القوانين والأنظمة هي الحاكمة، وليس موازين النفوذ والقوة.

الحرب.. عامل ضغط لا يلغي مسؤولية الداخل

لا يمكن تجاهل أثر الحرب المستمرة مع جماعة الحوثي على الاقتصاد اليمني، فقد تعرضت البنية الاقتصادية لضربات كبيرة، خصوصاً بعد استهداف موانئ تصدير النفط في حضرموت وشبوة، ما أدى إلى فقدان الحكومة أحد أهم مصادر دخلها.

وتسبب توقف صادرات النفط في أزمة مالية حادة، انعكست على قدرة الدولة في تمويل الخدمات الأساسية ودعم الاقتصاد.

لكن خبراء اقتصاديين يشيرون إلى أن الحرب، رغم كونها عاملاً رئيسياً في الأزمة، لا تفسر وحدها استمرار التعثر، مؤكدين أن الدول الخارجة من النزاعات تحتاج إلى مؤسسات قوية قادرة على إدارة الموارد المتاحة ومنع الهدر.

بيروقراطية تعطل الاستثمار والتنمية

إلى جانب الفساد، تعاني المؤسسات الحكومية من بيروقراطية معقدة وضعف في الأداء الإداري، وهو ما يمثل عائقاً أمام جذب الاستثمارات وتحريك الاقتصاد.

ويشكو قطاع الأعمال من طول الإجراءات، وتغير القرارات، وضعف البيئة القانونية، وهي عوامل تقلل من رغبة المستثمرين في الدخول إلى السوق اليمنية رغم وجود فرص اقتصادية كبيرة.

ويرى اقتصاديون أن الإصلاح الإداري يجب أن يكون جزءاً أساسياً من معركة التعافي، لأن التنمية لا يمكن أن تتحقق في ظل مؤسسات بطيئة وغير قادرة على مواكبة احتياجات المرحلة.

غياب استراتيجية اقتصادية طويلة المدى

رغم تعدد الخطط والمبادرات الحكومية، يرى مراقبون أن اليمن لا يزال بحاجة إلى رؤية اقتصادية واضحة تتجاوز الحلول المؤقتة والإجراءات الطارئة.

فمعالجة أزمة الكهرباء أو السيولة النقدية بشكل مؤقت لا تكفي، ما لم تترافق مع إصلاحات عميقة تشمل تنمية القطاعات الإنتاجية، وتنشيط الاستثمار، وإعادة بناء المؤسسات الاقتصادية.

كما أن استمرار الاعتماد على الدعم الخارجي دون إصلاح داخلي يجعل الاقتصاد عرضة للانتكاسات، ويؤجل بناء نموذج اقتصادي قادر على الاعتماد على موارده الذاتية.

المواطن.. الضحية الأولى لفشل الإدارة

وسط هذا التعقيد، يبقى المواطن في المناطق المحررة هو الطرف الأكثر تضرراً من استمرار الفساد وضعف الإدارة. فالمواطن الذي أنهكته الحرب يجد نفسه أمام واقع صعب: خدمات متراجعة، أسعار مرتفعة، فرص عمل محدودة، ومستقبل اقتصادي غير واضح.

ويرى مراقبون أن استعادة ثقة الشارع اليمني لن تتحقق عبر التصريحات السياسية، وإنما من خلال نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية، بدءاً من تحسين الخدمات، وضبط الأسواق، وتحقيق استقرار اقتصادي، وصولاً إلى بناء مؤسسات يشعر الجميع بأنها تعمل لصالح الدولة والمجتمع.

معركة الإصلاح تبدأ من الداخل

تبدو معركة التعافي في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية اليوم أكثر تعقيداً من مجرد توفير الأموال أو الحصول على الدعم الخارجي، فهي معركة لإعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة كفاءة الإدارة وتعزيز النزاهة والشفافية.

فالحرب أضعفت الاقتصاد، لكن الفساد أضعف قدرة الدولة على الصمود واستثمار ما تبقى من مواردها.

ويرى خبراء أن أي مشروع حقيقي للنهوض سيظل محدود النتائج ما لم يبدأ بإصلاح جذري داخل مؤسسات الدولة، يقوم على مكافحة الفساد، وتفعيل أجهزة الرقابة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتوحيد القرار الاقتصادي والإداري.

فالمناطق المحررة لا تفتقر فقط إلى الموارد، بل تحتاج قبل كل شيء إلى إدارة قادرة على حمايتها وتحويلها إلى مشاريع تنمية تعيد الأمل لملايين اليمنيين.