منذ "ستوكهولم" إلى اليوم.. كيف ساهمت تنازلات السعودية في إعادة بناء قوة الحوثيين؟

السياسية - Saturday 18 July 2026 الساعة 09:35 pm
الحديدة، نيوزيمن، تحليل خاص:

منذ توقيع اتفاق ستوكهولم في ديسمبر 2018، دخل الصراع اليمني مرحلة جديدة لم تعد تقاس فقط بخطوط التماس العسكرية، بل بقدرة كل طرف على استثمار الوقت والفراغ السياسي لصالحه. 

وبينما كان الهدف المعلن من الاتفاق هو وقف التصعيد في مدينة الحديدة وفتح الطريق أمام تسوية سياسية، فإن السنوات اللاحقة أظهرت تحولاً كبيراً في طبيعة المعادلة، فجماعة الحوثي التي كانت تواجه ضغوطاً عسكرية متزايدة، حصلت على مساحة زمنية مكنتها من إعادة ترتيب صفوفها وتعزيز قدراتها.

وفي قلب هذه التحولات برز الدور السعودي باعتباره العامل الأكثر تأثيراً في مسار الحرب، فالمملكة لم تكن طرفاً عادياً في المشهد اليمني، بل كانت قائدة تحالف دعم الشرعية اليمنية، وإحدى دول الرباعية الدولية المعنية بالملف اليمني، وصاحبة الدور الأبرز في إدارة المسار السياسي والعسكري خلال سنوات الحرب.

ومن هذا الموقع، يرى منتقدو سياسات الرياض أن سلسلة التنازلات التي قدمتها المملكة منذ اتفاق ستوكهولم، مروراً بمراحل التهدئة والهدن، وصولاً إلى المسار التفاوضي المباشر مع الحوثيين، ساهمت - بصورة غير مباشرة - في منح الجماعة فرصة لإعادة بناء قوتها السياسية والعسكرية، بعد أن كانت تواجه ضغوطاً ميدانية غير مسبوقة.

الحديدة.. التنازل الذي أوقف نقطة التحول العسكرية

في نهاية عام 2018، كانت معركة الحديدة تمثل إحدى أكثر لحظات الحرب اليمنية حساسية. فالقوات الحكومية المدعومة من التحالف كانت قد اقتربت من المدينة ومينائها الاستراتيجي، وسط اعتقاد بأن السيطرة على هذا الشريان الاقتصادي والعسكري قد تغير طبيعة الصراع وتضع الحوثيين أمام خسارة كبيرة.

لكن اتفاق ستوكهولم أوقف العمليات العسكرية في لحظة كانت الجماعة تواجه فيها ضغوطاً ميدانية، ونقل المواجهة من ساحات القتال إلى المسار السياسي.

ورغم أن الاتفاق جاء تحت عنوان حماية المدنيين ومنع تدهور الوضع الإنساني، فإن منتقدي المسار يرون أن الرياض قدمت تنازلاً استراتيجياً عندما قبلت بتجميد معركة كانت تمثل ورقة ضغط رئيسية على الحوثيين، دون الحصول على مقابل مماثل يضمن تقليص نفوذ الجماعة أو تفكيك قدراتها العسكرية.

فالحديدة لم تكن مجرد مدينة ساحلية، بل كانت تمثل منفذاً اقتصادياً مهماً ومصدراً للإيرادات وورقة نفوذ حيوية. وبالتالي، فإن بقاء الوضع القائم فيها منح الحوثيين فرصة للحفاظ على أحد أهم مواقع قوتهم.

من وقف الحرب إلى تجميد ميزان القوة

بعد "ستوكهولم" لم تتوقف الحرب فعلياً، لكنها تغيرت من حرب مفتوحة إلى صراع طويل منخفض الوتيرة. ومع كل مرحلة تهدئة جديدة، كانت الضغوط العسكرية على الحوثيين تتراجع، بينما كانت الجماعة تستفيد من عامل الزمن.

ويرى محللون أن الجماعات المسلحة لا تنظر دائماً إلى الهدن باعتبارها مجرد توقف للقتال، بل قد تتعامل معها كفرصة لإعادة التنظيم وترميم القدرات.

وخلال سنوات الهدوء النسبي، تمكن الحوثيون من:

- إعادة هيكلة المنظومة العسكرية والأمنية.

- تطوير قدرات الصواريخ والطائرات المسيرة.

- تعزيز السيطرة الإدارية والاقتصادية في مناطق نفوذهم.

- توسيع شبكة التحالفات الداخلية والإقليمية.

- الانتقال من جماعة مسلحة محاصرة إلى سلطة أمر واقع تدير مؤسسات ومناطق واسعة.

وفي المقابل، وجدت الحكومة الشرعية نفسها أمام تحديات سياسية واقتصادية وعسكرية متزايدة، مع تراجع هامش الضغط الذي كان يمكن أن تستخدمه على الأرض.

الحساب السعودي: إنهاء الحرب أم إدارة المخاطر؟

منذ بداية تدخلها في اليمن، أكدت السعودية أن هدفها الأساسي هو دعم الحكومة الشرعية ومنع تحول اليمن إلى منصة تهديد لأمنها القومي. ومع مرور السنوات تغيرت أولويات الرياض لتصبح أكثر تركيزاً على إنهاء الحرب وحماية حدودها وتقليل التكاليف الأمنية والسياسية للصراع.

ومن هذا المنطلق، اتجهت المملكة إلى دعم مسارات التهدئة والحوار، باعتبار أن الحل السياسي هو الطريق الوحيد لإنهاء الأزمة.

لكن منتقدي هذا النهج يطرحون سؤالاً مختلفاً: هل كانت التنازلات السعودية متوازنة مع حجم التنازلات التي قدمها الحوثيون؟

ويرى أصحاب هذا الرأي أن الرياض قدمت تنازلات كبيرة، سواء عبر وقف العمليات العسكرية في مراحل حاسمة، أو القبول بمسارات تفاوضية رفعت من مكانة الحوثيين السياسية، بينما لم تحصل على ضمانات واضحة تمنع الجماعة من استثمار هذه الفترات في تعزيز قوتها.

الاعتراف السياسي.. المكسب غير المعلن للحوثيين

إحدى أبرز نتائج المسار السياسي خلال السنوات الماضية، كانت انتقال الحوثيين من جماعة كانت تُصنف باعتبارها تمرداً مسلحاً إلى طرف رئيسي لا يمكن تجاوزه في أي نقاش حول مستقبل اليمن.

فكلما توسعت دائرة المفاوضات والاتصالات الإقليمية والدولية، حصلت الجماعة على مكاسب سياسية متراكمة، أبرزها ترسيخ فكرة أنها طرف أساسي في معادلة الحكم المقبلة.

ويرى مراقبون أن هذا التحول لم يكن نتيجة القوة العسكرية فقط، بل نتيجة تراكم سياسي جاء في جزء منه بسبب طبيعة إدارة الحرب ومسارات التفاوض التي قادتها القوى الإقليمية والدولية.

البحر الأحمر.. لحظة اختبار لنتائج سنوات التهدئة

ظهرت نتائج إعادة بناء القوة الحوثية بشكل أكثر وضوحاً مع تصاعد عمليات الجماعة في البحر الأحمر وخليج عدن، واستخدامها الصواريخ والطائرات المسيرة والزوارق الهجومية للتأثير على حركة الملاحة الدولية.

وبغض النظر عن المواقف السياسية من هذه العمليات، فإنها كشفت عن تحول مهم في قدرات الجماعة، من قوة محلية تركز نشاطها داخل اليمن إلى طرف يمتلك أدوات تأثير إقليمية.

ويرى منتقدو مسار التهدئة أن هذا التطور كان نتيجة طبيعية لسنوات لم تتعرض فيها القدرات العسكرية الحوثية لضغوط كافية، بينما ركزت الجهود الدولية والإقليمية على المسار السياسي.

تنازلات السعودية.. هل صنعت سلاماً أم منحت الحوثيين وقتاً إضافياً؟

بعد سنوات من اتفاق ستوكهولم، تبدو النتيجة الأكثر إثارة للجدل أن التهدئة لم تُنتج سلاماً نهائياً، لكنها أنتجت واقعاً جديداً على الأرض.

فبينما كانت السعودية تراهن على أن تقديم تنازلات سياسية وعسكرية يمكن أن يقود إلى تسوية شاملة، يرى منتقدون أن الحوثيين تعاملوا مع هذه التنازلات باعتبارها فرصة لإعادة بناء القوة وتعزيز النفوذ.

وفي الحروب الطويلة، لا يكون الوقت مجرد مساحة انتظار، بل يتحول أحياناً إلى سلاح استراتيجي. والطرف الذي ينجح في استثمار سنوات الهدوء قد يدخل المرحلة التالية من الصراع وهو أكثر قوة وتنظيماً.

وبينما كانت الرياض تسعى إلى إغلاق ملف الحرب اليمنية عبر التفاوض، يرى منتقدو مسارها أن بعض التنازلات التي قدمتها بصفتها قائدة التحالف والدولة الأكثر تأثيراً في الملف اليمني، ساهمت في تغيير ميزان القوة لصالح الحوثيين.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بعد قرابة ثماني سنوات من ستوكهولم: هل كانت سياسة التهدئة السعودية خطوة ضرورية نحو السلام، أم أنها منحت الحوثيين المساحة والوقت لإعادة بناء قوة أصبحت اليوم أكثر تأثيراً من أي وقت مضى؟